مدارج السالكين

عن بعضٍ، ولا يَقِفُ في طريق بعضٍ١، وكذلك لوامع أنواره. وأعظمُ ما يجدُ هذا الواجدُ: عند استغراقه في تدبُّر القرآن، ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليّته للفهم. ونسبةُ ما دون ذلك إليه كتَفْلَةٍ في بحرٍ.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: هَيَمانٌ عند الوقوع في عينِ القِدَم، ومعاينةِ سلطانِ الأزل، والغَرَقِ في بحر الكشف).

يريد: هَيَمان الفناء. والوقوع في عين القِدَم إنّما يكون باضمحلال الرّسم وفنائه في شهود القدم، فإنّه يفنى من لم يكن شهودًا٣، ويبقى من لم يزل. وكذلك معاينة سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلالِ الحادثات.

وأمّا بحر الكشف الذي أشار إليه فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب. ولا تعتقدْ أنّ للسّالك وراء مقام الإحسان شيئًا٤ أعلى منه، بل الإحسان مراتبُ، وأمّا الكشف الحقيقيُّ للحقيقة فلا سبيلَ إليه في الدُّنيا البتّةَ.

والقوم يلوح لأحدهم أنوارٌ هي ثمرات الإيمان، ومعاملات القلوب، وآثار الأحوال الصّادقة، فيظنُّونها٥ نورَ الحقيقة، ولا يأخذهم في ذلك لومةُ

  1. (١) «ولا يقف في طريق بعض» ليست في ت.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٧٨).
  3. (٣) ت: «شهود».
  4. (٤) ت: «شيء».
  5. (٥) ش: «فيظنوها».
475

لائمٍ. وإنّما هي أنوارٌ في بواطنهم ليس إلّا، وباب العصمة عن غير الرُّسل مسدودٌ إلّا عمَّا اتّفقت عليه الأمّة. والله أعلم.

فصل

ومن أنوار ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نور البَرْق الّذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصّادقين، وهو لامعٌ يَلْمَع لقلبه يُشبِه لامعَ البرق.

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (البرق: باكورةٌ تلمع للعبد، فتدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق).

واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ٩ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ٩ - ١٠].

وجه الاستشهاد: أنّ النّار التي رآها موسى كانت مبدأً في طريق نبوّته. والبرق مبدأٌ في طريق الولاية التي هي وراثة النُّبوّة.

وقوله: (باكورةٌ)، الباكورة هي أوّل الشّيء، ومنه باكورة الثِّمار. وهو لما سبق نوعه في النُّضج.

قوله: (يلمع للعبد) أي يبدو له ويظهر، (فيدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق)، ولم يُرِد طريق أهل البدايات، فإنّ تلك هي اليقظة التي ذكرها في أوّل كتابه، وإنّما أراد طريق أرباب التّوسُّط والنِّهايات.

وعلى هذا فالبرق الذي أشار إليه هو برقُ الأحوال، لا برق الأعمال، أو برقٌ لا سببَ له من السّالك، إنّما هو مجرّد موهبةٍ.

  1. (١) (ص ٧٨).
476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي