مدارج السالكين

لائمٍ. وإنّما هي أنوارٌ في بواطنهم ليس إلّا، وباب العصمة عن غير الرُّسل مسدودٌ إلّا عمَّا اتّفقت عليه الأمّة. والله أعلم.

فصل

ومن أنوار ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نور البَرْق الّذي يبدو للعبد عند دخوله في طريق الصّادقين، وهو لامعٌ يَلْمَع لقلبه يُشبِه لامعَ البرق.

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (البرق: باكورةٌ تلمع للعبد، فتدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق).

واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ٩ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ٩ - ١٠].

وجه الاستشهاد: أنّ النّار التي رآها موسى كانت مبدأً في طريق نبوّته. والبرق مبدأٌ في طريق الولاية التي هي وراثة النُّبوّة.

وقوله: (باكورةٌ)، الباكورة هي أوّل الشّيء، ومنه باكورة الثِّمار. وهو لما سبق نوعه في النُّضج.

قوله: (يلمع للعبد) أي يبدو له ويظهر، (فيدعوه إلى الدُّخول في هذه الطّريق)، ولم يُرِد طريق أهل البدايات، فإنّ تلك هي اليقظة التي ذكرها في أوّل كتابه، وإنّما أراد طريق أرباب التّوسُّط والنِّهايات.

وعلى هذا فالبرق الذي أشار إليه هو برقُ الأحوال، لا برق الأعمال، أو برقٌ لا سببَ له من السّالك، إنّما هو مجرّد موهبةٍ.

  1. (١) (ص ٧٨).
476

والدّليل على أنّه أراد ما يحصل لأرباب التّوسُّط والنِّهايات: أنّه أخذَ بعد تعريفه يُفرِّق بينه وبين الوجد، فقال١: (والفرق بينه وبين الوجد: أنّ الوجد يقع بعد الدُّخول فيه، والبرق قبله٢. فالوجد زادٌ، والبرق إذنٌ).

يريد: أنّ البرق نورٌ يقذفه الله في قلب العبد ويُبدِيه له، فيدعوه إلى الدُّخول في الطّريق. والوجد هو شدّة الطّلب وقوّته الموجبة لتأجُّجِ اللهيب من الشُّهود، كما تقدّم.

و(الوجد زادٌ) يعني: أنّه يصحب السّالكَ كما يصحبه زادُه، بل هو من نفائس زاده. و(البرق إذنٌ) يعني: إذنًا في السُّلوك، والإذن إنّما يَفْسَح للسّالك في المسير لا غير.

قال٣: (وهو ثلاث درجاتٍ. الأولى: برقٌ يلمع من جانب العِدَة في عين الرّجاء، فيستكثر فيه العبدُ القليلَ من العطاء، ويستقلُّ فيه الكثيرَ من الإعياء٤، ويَستحلي فيه مرارةَ القضاء).

يعني بالعِدَة: ما وعد الله به أولياءه من أنواع الكرامة في هذه الدّار وعند اللِّقاء.

وقوله: (يلمع في عين الرّجاء)، أي يبدو في حقيقة الرّجاء ومَرَافقِه وناحيته، فيوجب له ذلك استكثارَ القليل ــ ولا قليلَ من الله ــ من عطائه، والحاملُ له على هذا الاستكثار أربعة أمورٍ:

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٩).
  2. (٢) «والبرق قبله» ليست في «المنازل».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٧٩).
  4. (٤) في «المنازل»: «الأعباء».
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي