مدارج السالكين

هذا البرق أُفقُه وعينُه غيرُ أفقِ البرق الأوّل وعينِه١، فإنّ هذا يلمع من أُفق الحذر، وذلك من أُفق الرّجاء. فإذا شامَ هذا البرقَ استقصرَ فيه الطّويلَ من الأمل، وتخيّلَ في كلِّ وقتٍ أنّ المنيّةَ تُغافِصُه٢ وتُفاجِئه. فاشتدَّ حذرُه من هجومها، مخافةَ أن تحلَّ به عقوبة الله، ويُحالَ بينه وبين الاستعتاب والتّأهُّب للِّقاء، فيلقى ربَّه قبل الطُّهر التّامِّ، فلا يُؤذَن له بالدُّخول عليه بغير طهارةٍ، كما أنّه لم يأذن له في دار التّكليف بالدُّخول عليه للصّلاة بغير طهارةٍ.

وهذا يُذكِّر العباد بالتّطهُّر للموافاة والقدوم عليه والدُّخولِ وقت اللِّقاء، لمن عقلَ عن الله وفهِمَ أسرار العبادات. فإذا كان لا يدخل عليه حتّى يستقبل بيته بوجهه، ويستر عورته، ويطهِّر بدنه وثيابه وموضعَ مقامه بين يديه، ثمّ يُخلِص له النِّيّة، فهكذا الدُّخول عليه وقتَ اللِّقاء لا يحصل إلّا بأن يستقبل ربَّه بقلبه كلِّه، ويستر عوراتِه الباطنة بلباس التّقوى، ويطهِّر قلبه وروحه وجوارحه من أدناسها الظّاهرة والباطنة، ويتطهَّر لله طهرًا كاملًا، ويتأهَّب للدُّخول أكملَ تأهُّبٍ.

وأوقات الصّلاة نظير وقت الموافاة، فإذا تأهَّب العبد قبلَ الوقت جاءه الوقت وهو متأهِّبٌ، فدخلَ على الله. وإذا فرَّط في التّأهُّب خِيفَ عليه من خروج الوقت قبل التّأهُّب، إذ هجومُ وقتِ الموافاة مضيَّقٌ لا يقبلُ التّوسعة، فلا يُمَكَّن العبدُ من التّطهُّر والتّأهُّب عند هجوم الوقت، بل يقال له: هيهات، فات ما فات، وقد بَعُدتْ بينك وبين الطهور المسافاتُ. فمَن شام بَرْقَ الوعيد بقِصَرِ الأمل لم يزل على طهارةٍ.

  1. (١) «وعينه» ليست في ش.
  2. (٢) أي تأخذه على غِرَّة.
479

وأمّا (تزهيده في الخلق على القرب)، أي: وإن كانوا أقاربه ومناسبيه، أو مجاوريه وملاصقيه، أو مُعاشِريه ومخالطيه= فلكمال حذَرِه، واستعداده واشتغاله بما أمامه، وملاحظة الوعيد من أُفقِ ذلك البارق الذي ليس بخُلَّبٍ، بل هو أصدقُ بارقٍ.

ويحتمل أن يريد بقوله (عن قربٍ) أي: عن أقربِ وقتٍ. فلا ينتظر بزهده فيهم أملًا يُؤمِّله، ولا وقتًا يستقبله.

قوله: (ويرغب في تطهير السِّرِّ)، يعني تطهير سرِّه عمّا سوى الله. وقد تقدّم بيانه.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: برقٌ يلمع من جانب اللُّطف في عين الافتقار، فيُنشِئ سحابَ السُّرور، ويُمطِر قَطْرَ الطَّرب، ويجري من٢ نهر الافتخار).

هذا البرق يلمع من أُفق ملاطفة الرّبِّ تعالى لعبده بأنواع الملاطفات، ومطلعُ هذا البرق: في عين الافتقار، الذي هو باب السُّلوك إلى الله تعالى، والطّريق الأعظم الذي لا يُدخَل عليه إلّا منه، وكلُّ طريقٍ سواه فمسدودٌ. ومع هذا فلا يصل العبد منه إلّا بالمتابعة، فلا طريقَ إلى الله البتّةَ أبدًا ــ ولو تَعنَّى المتعنُّون، وتَمنَّى المتمنُّون ــ إلّا الافتقار ومتابعةُ الرّسول فقط. فلا يُتعِب السّالكُ نفسَه على غير هذه الطّريق، فإنّه على غير شيءٍ، وهو صيدُ الوحوش والسِّباع.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٩).
  2. (٢) «من» ليست في «المنازل».
480

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي