قوله: (فيُنشِئ سحابَ السُّرور)، أي ينشئ للعبد سرورًا خاصًّا وفرحًا بربِّه لا عهدَ له بمثله، ولا نظيرَ له في الدُّنيا، ونفحةً من نعيم الجنّة، ونسمةً من ريح شمالهم. فإذا نشأ له ذلك السّحاب أمطر عليه طيب الطَّرب، فطرِبَ باطنُه وسِرُّه لما ورد عليه من عند سيِّده ووليِّه. وإذا اشتدَّ ذلك الطّرب جرى به نهر الافتخار، بتميُّزِه عن أبناء جنسه بما خصَّه الله به.
فإمّا أن يريد به: افتخاره على الشّيطان، وهَزَّه عِطْفَه طربًا وافتخارًا عليه، فإنّ الله لا يكره ذلك. ولهذا يُحبُّ المختالَ بين الصّفّين عند الحرب، لما في ذلك من مراغمة أعدائه، ويُحبُّ الخيلاء عند الصّدقة ــ كما جاء ذلك مُصرَّحًا به في الحديث١ ــ لسِرٍّ عجيبٍ، يعرفه أولو الصّدقات والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء، وابتهاجِهم به، واختيالهم على النّفس الشّحيحة الأمّارة بالبخل، وعلى الشّيطان المزيِّن لها ذلك٢. فهذا الافتخار من تمام العبوديّة.
(١) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٥/ ٧٨)، والبيهقي (٧/ ٣٠٨) من حديث جابر بن عتيك ﵁. وفي إسناده ابن جابر وهو مجهول. وله شاهد من حديث عقبة بن عامر الجهني عند أحمد (١٧٣٩٨)، وفيه عبد الله بن زيد الأزرق، وهو مقبول في المتابعات. فالحديث حسن به.
(٢) بعدها في طبعة الفقي زيادة هذه الأبيات وليست في النسخ. وهي للشريف الرضي في «ديوانه» (١/ ٥٠٤، ٥٠٥). وهم يُنفِدون المال في أوّل الغنى ... ويستأنفون الصّبرَ في آخر الصّبرِ مَغاويرُ للعَلْيا مغابيرُ للحِمَى ... مَفاريجُ للغُمَّى مَداريكُ للوتْرِ وتأخذهم في ساعة الجودِ هِزَّةٌ ... كما تأخذ المِطرابَ عن نَزْوة الخمر
أو يريد به: أنّه حَريٌّ بالافتخار بما تميَّز به، وإن لم يفتخر به إبقاءً على عبوديّته وافتقاره. فكِلا المعنيين صحيحٌ. والله أعلم.
وسرُّ ذلك: أنّ العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الألطاف، وشهده من عين المِنَّة ومحض الجود، وشهدَ مع ذلك فقْرَه إليه في كلِّ لحظةٍ، وعدمَ استغنائه عنه طرفةَ عينٍ= كان ذلك من أعظم أسبابِ الشُّكر، وأسبابِ المزيد، وتَوالي النِّعم عليه. وكلّما توالت عليه النِّعم أنشأتْ في قلبه سحائبَ السُّرور. وإذا انبسطتْ هذه السّحائب في سماء قلبه، وامتلأ أُفقه بها، أمطرتْ عليه وابلَ الطَّرب بما هو فيه من لذيذ السُّرور، فإن لم يُصِبْه وابلٌ فطلٌّ. وحينئذٍ يجري على لسانه وظاهره نهرُ الافتخار من غير عُجْبٍ ولا فخرٍ، بل فَرَحٍ بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ﴾[يونس: ٥٨]. فالافتخار على ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر.
وتأمَّل قول النّبيِّ ﷺ: «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فَخْرَ»١، كيف أخبر بفضل الله ومنَّتِه عليه، وأخبر أنّ ذلك لم يصدُرْ منه افتخارًا به على من دونه، ولكن إظهارًا لنعمة الله عليه، وإعلامًا للأمّة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلوِّ منزلته لديه٢، لتعرف الأمّة نعمةَ الله عليه وعليهم.
ويُشبِه هذا قول يوسف الصِّدِّيق للعزيز: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وليس فيه «ولا فخر». وهو مع هذه الزيادة عند الترمذي (٣٦١٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁.