مدارج السالكين

الحلاوة تارةً، كما قال: «ذاق طعْمَ الإيمان»، وقال: «ثلاثٌ مَن كُنّ فيه وجدَ بهنّ حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، ومن كان يُحبُّ المرءَ لا يُحبُّه إلّا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذَه الله منه، كما يكره أن يُلْقى في النّار»١.

ولمّا نهاهم عن الوصال قالوا: إنّك تُواصِل، فقال: «إنِّي لستُ كهيئتكم، إنِّي أُطْعَم وأُسقى»٢. وفي لفظٍ٣: «إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعِمني ويَسْقيني». وفي لفظٍ٤: «إنّ لي مُطعِمًا يُطعِمني، وساقيًا يَسْقِيني».

وقد غَلُظ حجابُ من ظنَّ أنّ هذا طعامٌ وشرابٌ حسِّيٌّ للفم. ولو كان كما ظنّه هذا لما كان صائمًا، فضلًا عن أن يكون مواصلًا، ولَمَا صحّ جوابه بقوله: «إنِّي لستُ كهيئتكم» فأجاب بالفرق بينه وبينهم. ولو كان يأكل ويشرب٥ بفِيه الكريم حسًّا لكان الجواب أن يقول: وأنا لستُ أواصل أيضًا، فلمّا أقرَّهم على قولهم «إنّك تُواصِل» عُلِم أنّه كان يمسك عن الطّعام والشّراب، ويكتفي بذلك الطّعام والشّراب العالي الرُّوحانيِّ، الذي يُغني عن الطّعام والشّراب المشترك الحسِّيِّ.

وهذا الذّوق هو الذي استدلّ به هرقلُ على صحّة النُّبوّة، حيث قال لأبي سفيان: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخْطةً لدينه؟ فقال: لا. قال: وكذلك الإيمان،

  1. (١) رواه البخاري (١٦، ٢١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) رواه البخاري (١٩٢٢)، ومسلم (١١٠٢/ ٥) من حديث ابن عمر ﵄.
  3. (٣) لمسلم (١١٠٤) من حديث أنس ﵁.
  4. (٤) للبخاري (١٩٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
  5. (٥) ش، د: «وشرب».
485

إذا خالطَ بشاشةَ القلوب١. فاستدلّ بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان ــ الذي إذا خالطت بشاشة٢ القلوب لم يَسخَطْه ذلك القلبُ أبدًا ــ على أنّه دعوة نبوّةٍ ورسالةٍ، لا دعوة ملكٍ ورياسةٍ.

والمقصود: أنّ ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمرٌ يجده القلب، يكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطّعام إلى الفم، وذوقِ حلاوة الجماع إلى آلتِه، كما قال النّبيُّ ﷺ: «حتّى تَذُوقِي عُسَيلتَه، ويذوقَ عُسَيلتَكِ»٣. وللإيمان طَعمٌ وحلاوةٌ يتعلّق بهما ذوقٌ ووجدٌ، ولا تزول الشُّبَه والشُّكوك إلّا إذا وصل العبد إلى هذه الحال، فيباشر الإيمان قلبه حقيقةَ المباشرة، فيذوق طَعْمَه ويجد حلاوتَه.

فصل

قال صاحب «المنازل»٤: (باب الذّوق. قال الله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٩]).

في تنزيل هذه الآية على الذّوق صعوبةٌ، والّذي يظهر ــ والله أعلم ــ أنّ الشّيخ أراد: أنّ الذّوق مقدِّمة الشُّرب، كما أنّ التذكير٥ مقدِّمة المعرفة،

  1. (١) أخرجه البخاري (٧، ٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس ﵄.
  2. (٢) كذا في ش، د. والأولى أن يكون: «خالطَ بشاشةَ» أو «خالطته بشاشةُ». وقد وردت الرواية بالوجهين. وفي ت: «خالطت بشاشتُه».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة ﵂.
  4. (٤) (ص ٧٩).
  5. (٥) كذا في ش، د. والسياق يدلُّ على أنه «التذكُّر».
486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي