إذا خالطَ بشاشةَ القلوب١. فاستدلّ بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان ــ الذي إذا خالطت بشاشة٢ القلوب لم يَسخَطْه ذلك القلبُ أبدًا ــ على أنّه دعوة نبوّةٍ ورسالةٍ، لا دعوة ملكٍ ورياسةٍ.
والمقصود: أنّ ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمرٌ يجده القلب، يكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطّعام إلى الفم، وذوقِ حلاوة الجماع إلى آلتِه، كما قال النّبيُّ ﷺ: «حتّى تَذُوقِي عُسَيلتَه، ويذوقَ عُسَيلتَكِ»٣. وللإيمان طَعمٌ وحلاوةٌ يتعلّق بهما ذوقٌ ووجدٌ، ولا تزول الشُّبَه والشُّكوك إلّا إذا وصل العبد إلى هذه الحال، فيباشر الإيمان قلبه حقيقةَ المباشرة، فيذوق طَعْمَه ويجد حلاوتَه.
فصل
قال صاحب «المنازل»٤: (باب الذّوق. قال الله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾[ص: ٤٩]).
في تنزيل هذه الآية على الذّوق صعوبةٌ، والّذي يظهر ــ والله أعلم ــ أنّ الشّيخ أراد: أنّ الذّوق مقدِّمة الشُّرب، كما أنّ التذكير٥ مقدِّمة المعرفة،
(١) أخرجه البخاري (٧، ٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) كذا في ش، د. والأولى أن يكون: «خالطَ بشاشةَ» أو «خالطته بشاشةُ». وقد وردت الرواية بالوجهين. وفي ت: «خالطت بشاشتُه».
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة ﵂.
(٤) (ص ٧٩).
(٥) كذا في ش، د. والسياق يدلُّ على أنه «التذكُّر».
ومنه يدخل إلى مقام الإيمان والإحسان، فإنّه إذا تذكَّر أبصرَ الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾[الأعراف: ٢٠١]. فالتّذكُّر يُوجب التّبصُّر، فيكون له الإيمان بعد التّبصُّر ذوقًا وعيانًا.
ولهذا قال بعده: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ٤٩﴾[ص: ٤٩ - ٥٠]. فالتّذكُّر بهذا الذِّكر الذي قصَّه الله يُشهِد صاحبَه الإيمانَ بالمعاد، وما أعدَّ الله لأوليائه عند لقائه، فيصير إيمانهم بذلك ذوقًا لا خبرًا محضًا، لأنّه١ نشأ عن تذكُّرِهم بذكره سبحانه، وتأمُّلِهم حقائقَه وأسراره وما فيه من الهدى والبيان. فالتّذكُّر سبب الذّوق. والله أعلم.
فصل
قال٢: (الذّوق أبقى من الوجد، وأجلى من البرق).
يريد به: أنّ منزلة الذّوق أثبت وأرسخُ من منزلة الوجد، وذلك أنَّ أثر الذّوق يبقى في القلب، ويطول بقاؤه، كما يبقى أثر ذوق الطّعام والشّراب في القوّة الدافعة٣، ويبقى على البدن والرُّوح. فإنّ الذّوق مباشرةٌ كما تقدّم، والوَجْد عند الشّيخ لهيبٌ يتأجَّجُ من شهودِ عارضٍ مُقْلِقٍ، فهو عنده من العوارض كالهَيَمان والقَلق، فإنّه ينشأ من مكاشفةٍ لا تدوم، فلذلك جعله أبقى من الوجد.
وأمّا قوله: (وأجلى من البرق)، فإنّ البرق أسرعُ انقضاءً، وكشفه دون