ولكنّ جعْلَه الذّوقَ أبقى من الوجد وأعلى منه فيه نظرٌ. وقد يقال: النّبيّ ﷺ جعل الوجد فوق الذّوق وأعلى منزلةً منه، فإنّه قال: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان»١ الحديث، وقال في الذّوق: «ذاقَ طعمَ الإيمان»٢، فوَجْدُ حلاوةِ الشّيء المَذُوق أخصُّ من مجرّد ذوقه. ولمّا كانت الحلاوة أخصَّ من الطّعم قرنَ بها الوجْدَ الذي هو أخصُّ من الذّوق، فقرنَ الأخصّ بالأخصِّ والأعمّ بالأعمِّ.
وليس المراد بوجْد حلاوة الإيمان الوجْد الذي هو لهيب القلب، فإنّ ذلك مصدر وَجَدَ بالشّيء وَجْدًا، وإنّما هو من الوجود الذي هو الثُّبوت. فمصدر هذا الفعل: الوُجود والوِجدان، فوجَدَ الشّيء يجده وِجدانًا: إذا حصل له وثبت، كما يجدُ الفاقدُ الشّيءَ الذي فُقِد منه. ومنه قوله تعالى: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾[النور: ٣٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[النساء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾[الضحى: ٦ - ٨]، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾[ص: ٤٤]. فهذا كلُّه من الوجود والثُّبوت، وكذلك قوله: «وجد بهنّ حلاوة الإيمان».
فوجدان الشّيء: ثبوته واستقراره. ولا ريبَ أنّ ذوق طعم الإيمان وجدانٌ له، إذ يمتنع حصول هذا الذّوق من غير وجدانٍ، ولكنّ اصطلاح كثيرٍ
(١) تقدم قريبًا.
(٢) تقدم أيضًا.
من القوم على أنّ الذّائق أخصُّ من الواجد، فكأنّه شاركَ الواجدَ في الحصول وامتاز عنه بالذّوق، فإنّه قد يجدُ الشّيء ولا يذوقُه الذّوقَ التّامّ.
وهذا ليس كما قالوه، بل وجود هذه الحقائق للقلب ذوقٌ لها وزيادةُ ثبوتٍ واستقرارٍ. والله أعلم.
فصل
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ذوق التّصديق طعمَ العِدَةِ. فلا يَعقِله ظنٌّ٢، ولا يَقطَعه أملٌ، ولا تعوقُه أُمنيةٌ).
يريد: أنّ العبد المصدِّق إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه وطاعته ثبت على حكم الوعد واستقام.
(فلم يَعقِلْه ظنٌّ) أي لم يحبسه ظنٌّ، تقول: عَقلتُ فلانًا عن كذا، أي عُقْتُه عنه وصَددتُه. ومنه عِقالُ البعير، لأنّه يحبسه عن الشُّرود. ومنه العقل، لأنّه يحبس صاحبَه عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل. ومنه: عقلتُ الكلام وعقلتُ معناه: إذا حبستَه في صدرك وحصَّلتَه في قلبك، بعد أن لم يكن حاصلًا عندك. ومنه: العَقْل للدِّية، لأنّها تمنع آخِذَها من العدوان على الجاني وعَصَبته.
والمقصود: أنّ ذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذّائقَ أن يحبسه ظنٌّ عن الجدِّ في الطّلب، والسّيرِ إلى ربِّه. والظّنُّ هو الوقوف عن الجزم بصحّة الوعد والوعيد، بحيث لا يترجّح عنده جانبُ التّصديق.