مدارج السالكين

قال النّبيُّ ﷺ: «ما لي وللدُّنيا؟ إنّما أنا كراكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثمّ راحَ وتركَها»١. وقال: «ما الدُّنيا في الآخرة إلّا كما يُدخِلُ أحدُكم إصبعَه في اليَمِّ، فلينظُرْ بِمَ ترجع؟»٢. فشَبَّه الدُّنيا في جنب الآخرة بما يَعْلَق على الإصبع من البلل حين تُغْمَس في البحر.

وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لو أنّ الدُّنيا من أوّلها إلى آخرها أُوتِيَها رجلٌ ثمّ جاءه الموت: لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسرُّه، ثمّ استيقظ فإذا ليس في يديه شيءٌ٣.

وقال مُطرِّف بن عبد الله أو غيره: نعيمُ الدُّنيا بحذافيرِه في جنْبِ نعيم الآخرة أقلُّ من ذرّةٍ في جنب جبال الدُّنيا٤.

ومن حدَّق عينَ بصيرته في الدُّنيا والآخرة علمَ أنّ الأمر كذلك.

فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة أن يقطعه أملٌ من هذا الجزء الحقير عن نعيمٍ لا يزول ولا يضمحلُّ؟ فضلًا أن يقطعه عن طلبِ مَن نسبةُ هذا النّعيم الدّائم إلى نعيم معرفتِه ومحبّتِه والأنسِ به والفرحِ بقربه كنسبة نعيم الدُّنيا إلى نعيم الجنّة؟ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. فيسيرٌ من رضوانه ــ ولا يقال له يسيرٌ ــ أكبرُ من الجنّات وما فيها.

  1. (١) أخرجه أحمد (٣٧٠٩)، والترمذي (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث ابن مسعود ﵁. وصححه الترمذي والحاكم (٤/ ٣١٠).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٨٥٨) من حديث المستورد بن شداد ﵁.
  3. (٣) لم أجده في المصادر التي رجعتُ إليها.
  4. (٤) لم أجده فيما بين يديّ من المصادر.
493

وفي حديث الرُّؤية: «فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النّظر إلى وجهه»١. وفي حديثٍ آخر: «إنّهم إذا رأوه٢ لم يلتفتوا إلى شيءٍ ممّا هم فيه من النّعيم حتّى يَتوارى عنهم»٣.

فمن قطعَه عن هذا أملٌ فقد فاز بالحرمان، ورضي لنفسه بغاية الخسران، والله المستعان، وعليه التُّكلان، وما شاء الله كان.

قوله: (ولا تعوقُه أُمنيّةٌ)، الأمنيّة: هي ما يتمنّاه العبد من الحظوظ، وجمعها أمانيُّ. والفرق بينها وبين الأمل أنّ الأمل يتعلّق بما يُرجى وجوده، والأمنيّة قد تتعلّق بما لا يُرجى حصوله، كما يتمنّى العاجز المراتب العالية.

والأمانيُّ الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس، بها يقطعون أوقاتهم ويلتذُّون بها، كالتذاذِ من زال عقلُه بالمسكر بالخيالات الباطلة.

وفي الحديث المرفوع: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت. والعاجز مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتَمنّى على الله الأمانيّ»٤.

  1. (١) أخرجه مسلم (١٨١)، وابن حبان (٧٤٤١) من حديث صهيب ﵁.
  2. (٢) د: «رأوا ربهم سبحانه».
  3. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، والآجري في «الشريعة» (٦١٥)، والدارقطني في «الرؤية» (٥١) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٩١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه الفضل بن عيسى الرقاشي متروك. وأحاديث الرؤية ثابتة من وجوه أخرى، بل متواترة.
  4. (٤) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس ﵁. وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم (١/ ١٢٥). وتعقبَّه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر [بن أبي مريم] واهٍ.
494

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي