مدارج السالكين

وفي حديث الرُّؤية: «فوالله ما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النّظر إلى وجهه»١. وفي حديثٍ آخر: «إنّهم إذا رأوه٢ لم يلتفتوا إلى شيءٍ ممّا هم فيه من النّعيم حتّى يَتوارى عنهم»٣.

فمن قطعَه عن هذا أملٌ فقد فاز بالحرمان، ورضي لنفسه بغاية الخسران، والله المستعان، وعليه التُّكلان، وما شاء الله كان.

قوله: (ولا تعوقُه أُمنيّةٌ)، الأمنيّة: هي ما يتمنّاه العبد من الحظوظ، وجمعها أمانيُّ. والفرق بينها وبين الأمل أنّ الأمل يتعلّق بما يُرجى وجوده، والأمنيّة قد تتعلّق بما لا يُرجى حصوله، كما يتمنّى العاجز المراتب العالية.

والأمانيُّ الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس، بها يقطعون أوقاتهم ويلتذُّون بها، كالتذاذِ من زال عقلُه بالمسكر بالخيالات الباطلة.

وفي الحديث المرفوع: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت. والعاجز مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتَمنّى على الله الأمانيّ»٤.

  1. (١) أخرجه مسلم (١٨١)، وابن حبان (٧٤٤١) من حديث صهيب ﵁.
  2. (٢) د: «رأوا ربهم سبحانه».
  3. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، والآجري في «الشريعة» (٦١٥)، والدارقطني في «الرؤية» (٥١) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٩١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه الفضل بن عيسى الرقاشي متروك. وأحاديث الرؤية ثابتة من وجوه أخرى، بل متواترة.
  4. (٤) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس ﵁. وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم (١/ ١٢٥). وتعقبَّه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر [بن أبي مريم] واهٍ.
494

ولا يرضى بالأمانيِّ من الحقائق إلّا النُّفوسُ الدنيئة الساقطة، كما قيل١:

واتركْ مُنى النفسِ لا تَحسَبْه يُشبِعُهاإنّ المُنى رأسُ أموال المفاليس

وأُمنيَّة الرجل تدلُّ على علوِّ همَّته وخِسَّتها. وفي أثرٍ إلهيٍّ: «إنِّي لا أنظُرُ إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظُرُ إلى هِمّته»٢.

والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِن٣. والعارفون يقولون: قيمة كلِّ امرئٍ ما يطلب٤.

فصل

قال٥: (الدرجة الثانية: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يَعْلَقُ به شاغلٌ، ولا يُفسِده عارضٌ، ولا تُكدِّره تفرقةٌ).

الإرادة وصف المريد. والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنّ الأولى

  1. (١) البيت بصدرٍ آخر في «الحيوان» (٥/ ١٩١)، و«عيون الأخبار» (١/ ٢٦١)، و«أدب الدين والدنيا» (ص ٣٩١) وغيرها بلا نسبة. وصدره فيها:
    إذا تمنَّيتُ بِتُّ الليلَ مغتبطًا
  2. (٢) لم أجده مسندًا، وقد ذكره شيخ الإسلام في عددٍ من كتبه ونسبه إلى بعض الكتب القديمة والإسرائيليات، وقد تقدم (ص ٣٦٠).
  3. (٣) يُنسب هذا إلى علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كتب الأدب وغيرها، ولا يصح عنه. وقد تقدم تخريجه (ص ٣٦٠).
  4. (٤) انظر: «جامع المسائل» (٥/ ٢٦٥) وما سبق (ص ٣٦٠).
  5. (٥) «المنازل» (ص ٨٠).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي