ولا يرضى بالأمانيِّ من الحقائق إلّا النُّفوسُ الدنيئة الساقطة، كما قيل١:
واتركْ مُنى النفسِ لا تَحسَبْه يُشبِعُهاإنّ المُنى رأسُ أموال المفاليس
وأُمنيَّة الرجل تدلُّ على علوِّ همَّته وخِسَّتها. وفي أثرٍ إلهيٍّ: «إنِّي لا أنظُرُ إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظُرُ إلى هِمّته»٢.
والعامَّة تقول: قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسِن٣. والعارفون يقولون: قيمة كلِّ امرئٍ ما يطلب٤.
فصل
قال٥: (الدرجة الثانية: ذوق الإرادة طعم الأنس. فلا يَعْلَقُ به شاغلٌ، ولا يُفسِده عارضٌ، ولا تُكدِّره تفرقةٌ).
الإرادة وصف المريد. والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنّ الأولى
(١) البيت بصدرٍ آخر في «الحيوان» (٥/ ١٩١)، و«عيون الأخبار» (١/ ٢٦١)، و«أدب الدين والدنيا» (ص ٣٩١) وغيرها بلا نسبة. وصدره فيها: إذا تمنَّيتُ بِتُّ الليلَ مغتبطًا
(٢) لم أجده مسندًا، وقد ذكره شيخ الإسلام في عددٍ من كتبه ونسبه إلى بعض الكتب القديمة والإسرائيليات، وقد تقدم (ص ٣٦٠).
(٣) يُنسب هذا إلى علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كتب الأدب وغيرها، ولا يصح عنه. وقد تقدم تخريجه (ص ٣٦٠).
(٤) انظر: «جامع المسائل» (٥/ ٢٦٥) وما سبق (ص ٣٦٠).
(٥) «المنازل» (ص ٨٠).
وصف حال العابد الذي ذاق تصديقُه طعْمَ وعدِ الرّبِّ ﷿، فجدَّ في العبادة وأعمالِ البرِّ، لثقتِه بالوعد عليها. وصاحب هذه الدّرجة ذاقتْ إرادتُه طعْمَ الأنس، فهي حال المريد.
ولهذا علق صاحب الدّرجة الأولى بالوعد الجميل، وعلق صاحب هذه بالأنس بالله. والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنّة. فإذا ذاق المريد طعْمَ الأنس جدَّ في إرادته، واجتهد في حفظ أنسه، وتحصيلِ الأسباب المقوِّية له.
(فلا يَعْلَق به شاغلٌ)، أي لا يتعلّق به شيءٌ يَشْغَله عن سلوكه وسيرِه إلى الله، لشدّة طلبه الباعث عليه أنسه، الذي قد ذاقَ طعمه، وتلذَّذ بحلاوته.
والأنس بالله حالةٌ وجدانيّةٌ، وهي من مقامات الإحسان١ تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذِّكر، وصدق المحبّة، وإحسان العمل.
وقوّة الأنس وضعفه على حسب قوّة القرب، وكلّما كان القلب من ربِّه أقرب كان أنسُه به أقوى، وكلّما كان أبعدَ كانت الوحشة بينه وبين ربِّه أشدّ.
قوله: (ولا يُفسِده عارضٌ)، العارض المفسد هو الذي يَعذُل المحبَّ ويلومه على النّشاط في رضا محبوبه٢ وطاعته، ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبِه العالي. فهو كالّذي يجيء عَرَضًا يمنع المارَّ في طريقه عن المرور، ويَلْفِته عن جهة مقصده إلى غيرها.