وصف حال العابد الذي ذاق تصديقُه طعْمَ وعدِ الرّبِّ ﷿، فجدَّ في العبادة وأعمالِ البرِّ، لثقتِه بالوعد عليها. وصاحب هذه الدّرجة ذاقتْ إرادتُه طعْمَ الأنس، فهي حال المريد.
ولهذا علق صاحب الدّرجة الأولى بالوعد الجميل، وعلق صاحب هذه بالأنس بالله. والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنّة. فإذا ذاق المريد طعْمَ الأنس جدَّ في إرادته، واجتهد في حفظ أنسه، وتحصيلِ الأسباب المقوِّية له.
(فلا يَعْلَق به شاغلٌ)، أي لا يتعلّق به شيءٌ يَشْغَله عن سلوكه وسيرِه إلى الله، لشدّة طلبه الباعث عليه أنسه، الذي قد ذاقَ طعمه، وتلذَّذ بحلاوته.
والأنس بالله حالةٌ وجدانيّةٌ، وهي من مقامات الإحسان١ تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذِّكر، وصدق المحبّة، وإحسان العمل.
وقوّة الأنس وضعفه على حسب قوّة القرب، وكلّما كان القلب من ربِّه أقرب كان أنسُه به أقوى، وكلّما كان أبعدَ كانت الوحشة بينه وبين ربِّه أشدّ.
قوله: (ولا يُفسِده عارضٌ)، العارض المفسد هو الذي يَعذُل المحبَّ ويلومه على النّشاط في رضا محبوبه٢ وطاعته، ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبِه العالي. فهو كالّذي يجيء عَرَضًا يمنع المارَّ في طريقه عن المرور، ويَلْفِته عن جهة مقصده إلى غيرها.
(١) «الإحسان» ليست في ش.
(٢) ت: «المحبوب».
وهذا العارض عند القوم هو إرادة السِّوى، فإنّ كلّ ما سوى الله فهو عارضٌ. وإرادة السِّوى: تُوقِف١ السّالك، وتُنكِّس الطّالب، وتَحجُب الواصل. فإيّاك وإرادةَ السِّوى وإن علا، فإنّك تُحجَب عن الله بقدر إرادتك لغيره. قال تعالى إخبارًا عن عباده المقرّبين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان: ٩]. وقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾[الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾[الليل: ١٩ - ٢٠].
قوله: (ولا تُكدِّره تفرقةٌ)، الكدر: ضدُّ الصّفاء، والتّفرقة: ضدُّ الجمعيّة. والجمعيّة هي جمع القلب والهمّة على الله بالحضور معه بحال الأنس، خاليًا من تفرقة الخواطر. والتّفرقة من أعظم مُكدِّرات القلب، وهي تُزِيل الصّفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان، فإنّ القلب يصفو بذلك، فتجيء التّفرقة فتُكدِّر عليه ذلك الصّفاء، وتُشعِّث القلب، فيجد الصّادق ألَمَ ذلك الشَّعَث وأذاه، فيجتهد في لَمِّه، ولا يَلُمُّ شَعَثَ القلوب شيءٌ غير الإقبال على الله والإعراضِ عمّا سواه، فهناك يُلَمُّ شَعَثُه، ويزول كَدَره، ويصحُّ سَقَمُه٢، ويجد روحَ الحياة، ويذوق طعم الحياة المَلَكيّة.