مدارج السالكين

وهذا العارض عند القوم هو إرادة السِّوى، فإنّ كلّ ما سوى الله فهو عارضٌ. وإرادة السِّوى: تُوقِف١ السّالك، وتُنكِّس الطّالب، وتَحجُب الواصل. فإيّاك وإرادةَ السِّوى وإن علا، فإنّك تُحجَب عن الله بقدر إرادتك لغيره. قال تعالى إخبارًا عن عباده المقرّبين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. وقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠].

قوله: (ولا تُكدِّره تفرقةٌ)، الكدر: ضدُّ الصّفاء، والتّفرقة: ضدُّ الجمعيّة. والجمعيّة هي جمع القلب والهمّة على الله بالحضور معه بحال الأنس، خاليًا من تفرقة الخواطر. والتّفرقة من أعظم مُكدِّرات القلب، وهي تُزِيل الصّفاء الذي أثمره له الإسلام والإيمان والإحسان، فإنّ القلب يصفو بذلك، فتجيء التّفرقة فتُكدِّر عليه ذلك الصّفاء، وتُشعِّث القلب، فيجد الصّادق ألَمَ ذلك الشَّعَث وأذاه، فيجتهد في لَمِّه، ولا يَلُمُّ شَعَثَ القلوب شيءٌ غير الإقبال على الله والإعراضِ عمّا سواه، فهناك يُلَمُّ شَعَثُه، ويزول كَدَره، ويصحُّ سَقَمُه٢، ويجد روحَ الحياة، ويذوق طعم الحياة المَلَكيّة.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّالثة: ذوقُ الانقطاع طعْمَ الاتِّصال، وذوقُ الهمّة طعْمَ الجمع، وذوقُ المسامرة طعْمَ العيان).

  1. (١) ت: «توسف».
  2. (٢) ت: «تنعمه».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٨٠).
497

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ تلك بقاءٌ مع الأحوال، وهذه الدّرجة خروجٌ وفناءٌ عن الأحوال. فإنّ المتمكِّن في حال فنائه عن الأسباب ــ أعمالًا كانت أو أحوالًا ــ هو الذي يجد طعْمَ الاتِّصال حقيقةً، فإنّه على حسب تجرُّده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتِّصاله، وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه. وكلّما تمكَّن في جمع هَمِّه على الحقِّ سبحانه وجدَ لذّةَ الجمع عليه، وذاقَ طعْمَ القرب منه والأنس به.

فالانقطاع عند القوم: هو أنس القلب بغيره، والتفاتُه إلى ما سواه. والاتِّصال: تجريدُ التّعلُّق به وحده، والانقطاع عمّا سواه بالكلِّيّة.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير كلامه.

فقوله: (ذوقُ الانقطاع طعْمَ الاتِّصال) استعارةٌ، وإلّا فالذّائق هو صاحب الانقطاع، لا نفس الانقطاع، فإنّه هو الذي ذاق الانقطاع والاتِّصال. وبالجملة فالمراد أنّ المنقطع هو المحجوب، والمتّصل هو المشاهد بقلبه، المكاشف بسرِّه.

وأحسنُ من التّعبير بالاتِّصال: التّعبير بالقرب، فإنّها العبارة السّديدة التي ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام.

وأمّا التّعبير بالوصل والاتِّصال: فعبارةٌ غير سديدةٍ، ويتشبّث بها الزِّنديق الملحد، والصّدِّيق الموحِّد. فالموحِّد يريد بالاتِّصال القربَ، وبالانفصال والانقطاع البعدَ. والملحد يريد به الحلولَ تارةً والاتِّحاد تارةً. حتّى قال بعض هؤلاء١: المنقطع ليس في الحقيقة منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا، لكنّه

  1. (١) ش: «هو».
498

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي