مدارج السالكين

الفرق بين هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ تلك بقاءٌ مع الأحوال، وهذه الدّرجة خروجٌ وفناءٌ عن الأحوال. فإنّ المتمكِّن في حال فنائه عن الأسباب ــ أعمالًا كانت أو أحوالًا ــ هو الذي يجد طعْمَ الاتِّصال حقيقةً، فإنّه على حسب تجرُّده عن الالتفات إلى الأسباب يكون اتِّصاله، وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه. وكلّما تمكَّن في جمع هَمِّه على الحقِّ سبحانه وجدَ لذّةَ الجمع عليه، وذاقَ طعْمَ القرب منه والأنس به.

فالانقطاع عند القوم: هو أنس القلب بغيره، والتفاتُه إلى ما سواه. والاتِّصال: تجريدُ التّعلُّق به وحده، والانقطاع عمّا سواه بالكلِّيّة.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير كلامه.

فقوله: (ذوقُ الانقطاع طعْمَ الاتِّصال) استعارةٌ، وإلّا فالذّائق هو صاحب الانقطاع، لا نفس الانقطاع، فإنّه هو الذي ذاق الانقطاع والاتِّصال. وبالجملة فالمراد أنّ المنقطع هو المحجوب، والمتّصل هو المشاهد بقلبه، المكاشف بسرِّه.

وأحسنُ من التّعبير بالاتِّصال: التّعبير بالقرب، فإنّها العبارة السّديدة التي ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام.

وأمّا التّعبير بالوصل والاتِّصال: فعبارةٌ غير سديدةٍ، ويتشبّث بها الزِّنديق الملحد، والصّدِّيق الموحِّد. فالموحِّد يريد بالاتِّصال القربَ، وبالانفصال والانقطاع البعدَ. والملحد يريد به الحلولَ تارةً والاتِّحاد تارةً. حتّى قال بعض هؤلاء١: المنقطع ليس في الحقيقة منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا، لكنّه

  1. (١) ش: «هو».
498

كان غائبًا عن المشاهدة. فلمّا شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا١.

قال: وليس قولنا: «لم يزل متّصلًا» بسديدٍ، فإنّ الاتِّصال لا يصحُّ إلّا بين اثنين. فلا المحجوب منقطعًا، ولا المكاشف متّصلًا، وإنّما هي عباراتٌ للتّقريب والتّفهيم، وأنشد في ذلك٢:

ما بالُ عَينِك لا يَقَرُّ قَرارُهاوإلامَ ظلُّك لا يَنِيْ٣ متنقِّلا
فلسوفَ تعلم أنّ سَيْرَك لم يكنإلّا إليكَ إذا بلغتَ المنزِلا

وبإزاء هؤلاء طائفةٌ غلُظَ حجابهم، وكَثُفَت أرواحهم عن هذا الشّأن، فزعموا: أنّ القرب والبعد والأنس ليس له حقيقةٌ تتعلّق بالخالق سبحانه، وإنّما ذلك القرب من داره وجنّته بالطّاعات، وأنسُ القلب بما وعد عليها من الثّواب، والبعد ضدُّ ذلك. لا أنَّ العبد يقرُب من ربِّه، ولا يبعُد عنه، ولا يأنس به. وصرّحوا بأنّه لا يُريده ولا يحبُّه، فلا يصحُّ تعلُّق الإرادة والمحبّة به. فسار هؤلاء مُغرِّبين، وسار أولئك مُشرِّقين، كما قيل٤:

سارتْ مُشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًاشتّانَ بين مُشرِّقٍ ومغرِّب
  1. (١) «لكنه ... متصلًا» ليست في ت.
  2. (٢) تقدم البيتان (٢/ ٦٥٧).
  3. (٣) ت: «لم يزل».
  4. (٤) البيت بلا نسبة في «البصائر والذخائر» (٨/ ١٧٨)، و«الوافي بالوفيات» (٦/ ٦٤)، و«تاج العروس» (شرق). وأنشده المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٧٣)، و«أعلام الموقعين» (٣/ ١٥٠).
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي