كان غائبًا عن المشاهدة. فلمّا شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعًا، بل لم يزل متّصلًا١.
قال: وليس قولنا: «لم يزل متّصلًا» بسديدٍ، فإنّ الاتِّصال لا يصحُّ إلّا بين اثنين. فلا المحجوب منقطعًا، ولا المكاشف متّصلًا، وإنّما هي عباراتٌ للتّقريب والتّفهيم، وأنشد في ذلك٢:
ما بالُ عَينِك لا يَقَرُّ قَرارُهاوإلامَ ظلُّك لا يَنِيْ٣ متنقِّلا
فلسوفَ تعلم أنّ سَيْرَك لم يكنإلّا إليكَ إذا بلغتَ المنزِلا
وبإزاء هؤلاء طائفةٌ غلُظَ حجابهم، وكَثُفَت أرواحهم عن هذا الشّأن، فزعموا: أنّ القرب والبعد والأنس ليس له حقيقةٌ تتعلّق بالخالق سبحانه، وإنّما ذلك القرب من داره وجنّته بالطّاعات، وأنسُ القلب بما وعد عليها من الثّواب، والبعد ضدُّ ذلك. لا أنَّ العبد يقرُب من ربِّه، ولا يبعُد عنه، ولا يأنس به. وصرّحوا بأنّه لا يُريده ولا يحبُّه، فلا يصحُّ تعلُّق الإرادة والمحبّة به. فسار هؤلاء مُغرِّبين، وسار أولئك مُشرِّقين، كما قيل٤:
سارتْ مُشرِّقةً وسِرتُ مغرِّبًاشتّانَ بين مُشرِّقٍ ومغرِّب
(١) «لكنه ... متصلًا» ليست في ت.
(٢) تقدم البيتان (٢/ ٦٥٧).
(٣) ت: «لم يزل».
(٤) البيت بلا نسبة في «البصائر والذخائر» (٨/ ١٧٨)، و«الوافي بالوفيات» (٦/ ٦٤)، و«تاج العروس» (شرق). وأنشده المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٧٣)، و«أعلام الموقعين» (٣/ ١٥٠).
و«الهمّة» قد عبّر عنها الشّيخ فيما تقدّم بأنّها (ما يملك الانبعاث إلى المقصود صرفًا)، أي حالة وصفة لها سطوةٌ وملكةٌ، تحمل صاحبها على المقصود، وتبعثه عليه بعثًا لا يخالطه غيره. فالهمّة عندهم: طلب الحقِّ من غير التفاتٍ إلى غيره.
والجمع: شهود الفردانيّة التي تفنى فيها رسوم المشاهد، وهذا جمعٌ في الرُّبوبيّة. وأعلى منه: الجمع في الألوهيّة، وهو جمعُ قلبِه وهمِّه١ وسِرِّه على محبوبه ومراضيه ومراده منه، فهو عكوف القلب بكلِّيّته على الله، لا يلتفت عنه يَمنةً ولا يَسرةً. فإذا ذاقت الهمّة طعم هذا الجمع اتّصلَ اشتياق صاحبها، وتأجّجتْ نيران المحبّة والطّلب في قلبه، وعدَّ صبره عن محبوبه من أعظم كبائره. كما قيل٢:
(١) د، ت: «همته».
(٢) البيت بلا نسبة في «الرسالة القشيرية» (ص ٤٤٠). وأنشده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٣٧٥، ٥٨٩). وهو بقافية أخرى لمحمد بن عبد الله العتبي في «الكامل» (٢/ ٥٥٥)، و«الزهرة» (٢/ ٥٤١)، و«العقد الفريد» (٣/ ٢٦١)، و«التذكرة الحمدونية» (٤/ ٢٦٣) وغيرها. وقافيته: «فإنه مذموم».