مدارج السالكين

وهذه المرتبة هي حجّة الله على خلقه، التي لا يعذِّب أحدًا ولا يُضِلُّه إلّا بعد وصوله إليها، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. فهذا الإضلالُ عقوبةٌ منه لهم، حين بيَّن لهم، فلم يقبلوا ما بيَّنه١، ولم يعملوا به، فعاقبهم بأن أضَلَّهم عن الهدى. وما أضلَّ الله سبحانه أحدًا قطُّ إلّا بعد هذا البيان.

وإذا عرفتَ هذا عرفتَ سرَّ القدر، وزالت عنك شكوكٌ كثيرةٌ وشبهاتٌ في هذا الباب، وعلمتَ حكمةَ الله في إضلاله مَن يُضِلُّه من عباده٢. والقرآن يصرِّح بهذا في غير موضعٍ، كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾٣ [النساء: ١٥٥]. فالأوّل: كفر عنادٍ، والثّاني: كفر طبعٍ. وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تبيَّنوه وتحقَّقوه، بأن قلَّب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له. فتأمَّلْ هذا الموضع حقَّ التّأمُّل، فإنّه موضعٌ عظيمٌ.

وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. فهذا٤ هدى البيان والدِّلالة، وهو شرطٌ لا موجِبٌ، فإنّه إن لم يقترن به هدًى آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء، وهو هدى التّوفيق والإلهام.

  1. (١) بعده في ع زيادة: "لهم".
  2. (٢) "من عباده" ساقط من ش.
  3. (٣) في الأصل وغيره: "وقالوا قلوبنا غلف ... " خلط بين آيتين: آية البقرة (٨٨) وآية النساء (١٥٥).
  4. (٤) ش: "وهذا". وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
66

وهذا البيان نوعان: بيانٌ بالآيات المسموعة المتلوّة، وبيانٌ بالآيات المشهودة المرئيّة. وكلاهما أدلّةٌ وآياتٌ على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله، وصدقِ ما أخبرت به رسلُه عنه. ولهذا يدعو الله١ عباده بآياته المتلوّة إلى التّفكُّر في آياته المشهودة، ويحضُّهم على التَّفكُّر في هذه وهذه. وهذا البيان هو الذي بُعثت به الرُّسل، وجُعِل إليهم وإلى العلماء بعدهم. وبعد ذلك يُضِلُّ الله من يشاء، ويهدي مَن يشاء٢. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. فالرُّسلُ تُبيِّن٣، والله هو الذي يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء بعزّته وحكمته٤.

فصل

المرتبة السابعة: البيان الخاصُّ.

وهو البيان المستلزم للهداية الخاصّة، وهو بيانٌ مقارنُه٥: العنايةُ والتّوفيقُ والاجتباءُ وقطعُ أسباب الخذلان وموادِّها عن القلب، فلا تتخلَّف عنه الهداية البتّة. قال تعالى في هذه المرتبة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ

  1. (١) لم يرد لفظ الجلالة في ع.
  2. (٢) "ويهدي من يشاء" ساقط من ع.
  3. (٣) ش: "فالرسول يبين". وأشير إلى هذه النسخة في هامش م.
  4. (٤) وانظر: "شفاء العليل" (ص ٥٣، ٧٩).
  5. (٥) كذا في الأصل (المقروء على المؤلف) وغيره. وفي ع: "تقارنه"، وكذا غيِّر في ل.
  6. (٦) هذه قراءة أبي عمرو وغيره، وهي قراءة المؤلف، وهي المناسبة لسياق الكلام.
67

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي