يأسر قلبه ويجعله رقيقًا ــ أي عبدًا مملوكًا ــ للمنظور إليه١، لأنه لما شاهد من جماله وكماله فاسترقّ قلبه له، فلم يكن بينه وبين رقِّه له إلّا مجرّدُ وقوعِ لحْظِه عليه٢.
فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلالَ الرُّبوبيّة، وكمالَ الرّبِّ سبحانه، وكمال نعوته، ومواقع لطفه وفضله وبرِّه وإحسانه= استرقّ قلبه له، وصارت له عبوديّةٌ خاصّةٌ.
قال٣: (وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: ملاحظة الفضل سبقًا. وهي تقطع طريقَ السُّؤال إلّا ما استحقّته الرُّبوبيّة من إظهار التّذلُّل لها، وتُنبِت السُّرور إلّا ما يشوبه من حذر المكر، وتبعث على الشُّكر إلّا ما قام به الحقُّ ﷿ من حقِّ الصِّفة).
الشّيخ عادته في كلِّ بابٍ أن يقول: «وهو على ثلاث درجاتٍ»، وقال هاهنا: «وهو في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ»، فعيَّن هذا الباب هنا دون غيره من الأبواب، لأنّ٤ اللّحظ مشتركٌ بين لَحْظِ البصر ولَحْظ البصيرة، والشّيخ إنّما أراد هذا الثّاني دون الأوّل، فإنّ كلامه فيه خاصّةً.
وهو لمّا صدّر بالآية ــ والأمرُ بالنّظر فيها إنّما توجّه إلى الأمر بنظر العين ــ استدرك كلامه وقال: اللّحظ الذي نشير إليه في هذا الباب ليس هو
(١) «إليه» ليست في ش، د.
(٢) ت: «إليه».
(٣) «المنازل» (ص ٨١).
(٤) ت: «أي».
لحظ العين. والله أعلم.
قوله: (ملاحظة الفضل سبقًا)، الفضل: هو العطاء الإلهيُّ، والسّبق: هو ما سبق به له التقديرُ١ قبل خروجه إلى الدُّنيا. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾[الأنبياء: ١٠١]. وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وهذا الكلام يُفسَّر على معنيين، أحدهما: أنّ العبد إذا رأى أنَّ ما قدّره الله له قد سبق به تقديره، وهو واصلٌ إليه لا مَحالةَ، ولا بدَّ أن يناله= سكنَ جَأْشُه، واطمأنَّ قلبه، ووطّن نفسه، وعلم أنّ ما أصابَه لم يكن لِيُخطِئه، وما أخطأه لم يكن لِيُصِيبه٢، وأنّه ما يفتح الله له من رحمةٍ فلا مُمسِكَ لها، وما يُمسِكه عنه فلا مُرسِلَ له من بعده٣. فإذا تيقَّن ذلك وذاق طعمَ الإيمان به قطعَ ذلك عليه طريقَ الطّلب من ربِّه، لأنّ ما سبقَ له به القدرُ كائنٌ واصلٌ إليه لا مَحالة.
ثمّ استدرك الشّيخ أنّ العبد لا بدَّ له من سؤال ربِّه، والطّلب منه، فقال: (إلّا ما استحقَّتْه الرُّبوبيّة من إظهار التّذلُّل لها)، أي لا يعتقد أنّ سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يحذره، فإنّ القدر السّابق قد استقرّ بوصول
(١) ر: «سبق له بالتقدير».
(٢) كما في حديث زيد بن ثابت الذي أخرجه أحمد (٢١٥٨٩)، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن حبان (٧٢٧). وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي (٢١٤٤)، وعن أبي الدرداء في «زوائد المسند» (٢٧٤٩٠).
(٣) كما في سورة فاطر: ٢: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.