مدارج السالكين

وقال: «ليس شيءٌ أكرم على الله من الدُّعاء»١.

وقال تعالى فيما رواه رسوله ﷺ: «يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلّا من أطعمتُه، فاستطعِموني أُطعِمْكم. يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلّا من كسوتُه، فاستكسوني أَكْسُكم. يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلّا من هديتُه، فاستهدوني أَهدِكم. يا عبادي، إنّكم تخطئون باللّيل والنّهار، وأنا أغفر الذُّنوب جميعًا ولا أبالي، فاستغفروني أَغفِرْ لكم»٢.

وقال ﷺ: «وأمّا السُّجود فاجتهدوا في الدُّعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم»٣.

وقال عمر بن الخطّاب: إنِّي لا أحمِلُ همَّ الإجابة، ولكن همَّ الدُّعاء، فإذا أُلهِمتُ الدُّعاءَ علمتُ أنّ الإجابة معه٤.

وفي هذا يقول القائل٥:

لو لم تُرِدْ نيلَ٦ ما أرجو وآمُلُهمن جُودِ كفِّك ما عوَّدتَني الطَّلبا
  1. (١) أخرجه أحمد (٨٧٤٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧١٢)، والترمذي (٣٣٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه ابن حبان (٨٧٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠). وهو حديث حسن.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر ﵁.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس ﵄.
  4. (٤) لم أجده مسندًا. وقد ذكره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٩٣)، و«اقتضاء الصراط» (٢/ ٢٢٩)، والمؤلف في «الداء والدواء» (ص ٢٩).
  5. (٥) ذكره المؤلف في «عدة الصابرين» (ص ١٠٩). ولم أجده في مصدر آخر.
  6. (٦) ر: «بذل».
509

والله سبحانه يُحِبُّ تذلُّلَ عبيده بين يديه، وسؤالَهم إيّاه، وطلَبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذَهم به منه، وفرارَهم منه إليه. كما قيل١:

قالوا أتشكو إليهما ليس٢ يَخفى عليه
فقلتُ ربِّيَ يَرضىذُلَّ العبيدِ لديه

وقال الإمام أحمد ﵀٣: حدّثنا عبد الوهّاب عن إسحاق عن مُطرِّف قال: تذكَّرتُ ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثيرٌ: الصِّيام والصّلاة، وإذا هو في يد الله تعالى. وإذا أنت لا تَقدِر على ما في يد الله إلّا أن تسألَه فيُعطِيك، فإذًا جماعُ الخير الدُّعاء.

وفي هذا المقام غلِطَ طائفتان من النّاس:

طائفةٌ ظنَّتْ أنّ القدر السّابق يجعل الدُّعاء عديم الفائدة.

قالوا: فإنّ المطلوب إن كان قد قُدِّر فلا بدَّ من وصوله، دعا العبد أو لم يدعُ، وإن لم يُقدَّرْ فلا سبيلَ إلى حصوله، دعا أو لم يدعُ.

ولمّا رأوا الكتاب والسُّنّة والآثار قد تظاهرت بالدُّعاء وفضله، والحثِّ عليه وطلبه، قالوا: هو عبوديّةٌ محضةٌ، لا تأثير له في المطلوب البتّةَ، وإنّما تعبّدنا الله به، وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء.

  1. (١) ذكرهما المؤلف في «عدة الصابرين» (ص ٦٣)، والمنبجي في «تسلية أهل المصائب» (ص ٢١٩).
  2. (٢) د: «ما لا».
  3. (٣) في كتاب «الزهد» (١٣٥٩) له.
510

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي