وهذا البيان نوعان: بيانٌ بالآيات المسموعة المتلوّة، وبيانٌ بالآيات المشهودة المرئيّة. وكلاهما أدلّةٌ وآياتٌ على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله، وصدقِ ما أخبرت به رسلُه عنه. ولهذا يدعو الله١ عباده بآياته المتلوّة إلى التّفكُّر في آياته المشهودة، ويحضُّهم على التَّفكُّر في هذه وهذه. وهذا البيان هو الذي بُعثت به الرُّسل، وجُعِل إليهم وإلى العلماء بعدهم. وبعد ذلك يُضِلُّ الله من يشاء، ويهدي مَن يشاء٢. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[إبراهيم: ٤]. فالرُّسلُ تُبيِّن٣، والله هو الذي يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي من يشاء بعزّته وحكمته٤.
فصل
المرتبة السابعة: البيان الخاصُّ.
وهو البيان المستلزم للهداية الخاصّة، وهو بيانٌ مقارنُه٥: العنايةُ والتّوفيقُ والاجتباءُ وقطعُ أسباب الخذلان وموادِّها عن القلب، فلا تتخلَّف عنه الهداية البتّة. قال تعالى في هذه المرتبة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾[النحل: ٣٧]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ
(١) لم يرد لفظ الجلالة في ع.
(٢) "ويهدي من يشاء" ساقط من ع.
(٣) ش: "فالرسول يبين". وأشير إلى هذه النسخة في هامش م.
(٤) وانظر: "شفاء العليل" (ص ٥٣، ٧٩).
(٥) كذا في الأصل (المقروء على المؤلف) وغيره. وفي ع: "تقارنه"، وكذا غيِّر في ل.
(٦) هذه قراءة أبي عمرو وغيره، وهي قراءة المؤلف، وهي المناسبة لسياق الكلام.
وهذا الإسماع أخصُّ من إسماع الحجَّة والتّبليغ، فإنَّ ذلك حاصلٌ لهم، وبه قامت الحجّة عليهم؛ لكنّ ذاك إسماع الآذان، وهذا إسماع القلوب. فإنّ الكلام له لفظٌ ومعنًى، وله نسبةٌ إلى الأذن والقلب وتعلُّقٌ بهما. فسماعُ لفظه حظُّ الأذن، وسماعُ حقيقة معناه ومقصوده حظُّ القلب. فاللهُ٢ سبحانه نفى عن الكفّار سماعَ المقصود والمراد الذي هو حظُّ القلب، وأثبت لهم سماعَ الألفاظ الذي هو حظُّ الأذن في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾[الأنبياء: ٢]. وهذا السَّماع لا يفيد السّامعَ إلّا قيامَ الحجّة عليه، أو تمكُّنَه منها. وأمّا مقصودُ السّماع وثمرتُه المطلوبةُ منه٣ فلا
(١) ع: "وقد قال".
(٢) ل: "فإن الله". ش: "وإنه". ع: "فإنه".
(٣) كان في الأصل ول: "وثمرته والمطلوب منه" ــ وكذا في م، ش، ع ــ ثم غيِّر فيهما "المطلوب" إلى "المطلوبة" وشطبت الواو في ل ولم تشطب في الأصل. وفي ج: "وثمرته والمطلوب به منه". ولعل "به" كان في هامش أصلها، وأراد المحشي تصحيح "المطلوب" إلى "المطلوبة"، فكتب: "بة" دون نقط التاء.