مدارج السالكين

مقامًا لازمًا له لا يُفارقه، بل هذا حكمه في هذه الحال. والله أعلم.

فصل

قوله: (ويُنبِت السُّرورَ، إلّا ما يَشوبُه من حذر المكر).

يعني: أنّ هذا اللّحظ من العبد يُنبِت له السُّرور، إذا علم أنّ فضل ربِّه قد سبق له بذلك قبل أن يخلقه، مع علمه به وبأحواله وتقصيره على التّفصيل، ولم يمنعه علمُه به أن يقدِّر له ذلك الفضل والإحسان. وهو١ أعلمُ به إذ أنشأه من الأرض، وإذ هو جنينٌ في بطن أمِّه، ومع ذلك فقدَّر له من الفضل والجود ما قدَّره بدون سببٍ منه، بل مع علمه بأنّه يأتي من الأسباب بما يقتضي قطْعَ ذلك ومنعه عنه٢.

فإذا شاهد العبد ذلك اشتدَّ سرورُه بربِّه، وبمواقع فضله وإحسانه. وهذا فرحٌ محمودٌ غير مذمومٍ. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا﴾ [يونس: ٥٨]. ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن. وهو يحبُّ من عبده أن يفرح بذلك ويُسَرَّ به، بل يحبُّ من عبده أن يفرحَ بالحسنة إذا عمِلَها ويُسَرَّ بها. وهو في الحقيقة فرحٌ بفضل الله، حيث وفَّقه لها وأعانه عليها ويسَّرها له. ففي الحقيقة إنّما يفرح بفضل الله ورحمته.

ومن أعظم مقامات الإيمان: الفرحُ بالله والسُّرور به، فيفرح به إذ هو عبده ومحبُّه، ويفرح به سبحانه ربًّا وإلهًا ومُنعِمًا ومربِّيًا، أشدَّ من فرح العبد

  1. (١) ت، ر: «فهو».
  2. (٢) ت، ر: «منه».
513

بسيِّده المخلوق المشفق عليه، القادر على ما يريده العبد، المتبوع في الإحسان إليه والذّبِّ عنه.

وسيأتي عن قريبٍ ــ إن شاء الله ــ تمامُ هذا المعنى في باب السُّرور.

وقوله: (إلّا ما يَشوبُه من حذر المكر)، أي يمازجه. فإنّ السُّرور والفرح يبسط النّفسَ ويُلهِيها١، ويُنسِيها عيوبَها وآفاتِها ونقائصَها، إذ لو شهدتْ ذلك وأبصرتْه لشَغَلَها ذلك٢ عن الفرح.

وأيضًا فإنّ الفرح بالنِّعمة قد يُنسِيه المنعِمَ، ويشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه، فيطفح عليه السُّرور حتّى يغيب بنعمته عنه. وهنا يكون المكر إليه أقربَ من اليد للفم.

ولله كم هاهنا من مستردٍّ منه ما وهب له غيرةً٣ وحكمةً! وربّما كان ذلك رحمةً به، إذ لو استمرّ على تلك الولاية لخيفَ عليه من الطُّغيان. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ٦ أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. فإذا كان هذا غنًى بالحُطام الفاني، فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكبر٤؟ فصاحب هذا المقام إن لم يصحبه حذَرُ المكر خِيفَ عليه أن يسلبه وينحطّ عنه.

و(المكر) الذي يُخاف عليه منه: أن يُغيِّب الله سبحانه عنه شهودَ أوّليّته

  1. (١) ت: «يثبط النفس وينميها».
  2. (٢) «ذلك» ليست في ت، ر.
  3. (٣) ر: «عزة».
  4. (٤) ت، ر: «وأكثر».
514

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي