بسيِّده المخلوق المشفق عليه، القادر على ما يريده العبد، المتبوع في الإحسان إليه والذّبِّ عنه.
وسيأتي عن قريبٍ ــ إن شاء الله ــ تمامُ هذا المعنى في باب السُّرور.
وقوله: (إلّا ما يَشوبُه من حذر المكر)، أي يمازجه. فإنّ السُّرور والفرح يبسط النّفسَ ويُلهِيها١، ويُنسِيها عيوبَها وآفاتِها ونقائصَها، إذ لو شهدتْ ذلك وأبصرتْه لشَغَلَها ذلك٢ عن الفرح.
وأيضًا فإنّ الفرح بالنِّعمة قد يُنسِيه المنعِمَ، ويشتغل بالخلعة التي خلعها عليه عنه، فيطفح عليه السُّرور حتّى يغيب بنعمته عنه. وهنا يكون المكر إليه أقربَ من اليد للفم.
ولله كم هاهنا من مستردٍّ منه ما وهب له غيرةً٣ وحكمةً! وربّما كان ذلك رحمةً به، إذ لو استمرّ على تلك الولاية لخيفَ عليه من الطُّغيان. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ٦ أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾[العلق: ٦ - ٧]. فإذا كان هذا غنًى بالحُطام الفاني، فكيف بالغنى بما هو أعلى من ذلك وأكبر٤؟ فصاحب هذا المقام إن لم يصحبه حذَرُ المكر خِيفَ عليه أن يسلبه وينحطّ عنه.
و(المكر) الذي يُخاف عليه منه: أن يُغيِّب الله سبحانه عنه شهودَ أوّليّته
فيُغيِّبه عن شهود ذلك، ويُحِيله على معرفته وكسبه١ وطلبه، فيُحِيله على نفسه التي لها الفقر بالذّات، ويحجبه عن الحوالة على المليء الوفيِّ الذي له الغنى التّامُّ كلُّه بالذّات. فهذا من أعظم أسباب المكر، والله المستعان.
ولو بلغ العبد من الطّاعة ما بلغَ فلا ينبغي له أن يُفارقه هذا الحذر، وقد خافه خيارُ خلقه وصفوتُه من عباده. قال شعيبٌ ﷺ وقد قال له قومه: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ٨٨ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾[الأعراف: ٨٨ - ٨٩]. فردّ الأمر إلى مشيئة الله وعلمه، أدبًا مع الله، ومعرفةً بحقِّ الرُّبوبيّة، ووقوفًا مع حدِّ العبوديّة.