مدارج السالكين

ونورُ الكشف عندهم هو مبدأ الشُّهود، وهو نورُ تجلِّي١ معاني الأسماء الحسنى على القلب، فتضيء به ظلمة القلب، ويرتفع به حجابه الكثيف٢.

ولا تلتفِتْ إلى غير هذا، فتَزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، فإنّك تجد في كلام بعضهم: تجلِّي الذّات يقتضي كذا وكذا، وتجلِّي الصِّفات يقتضي كذا٣، وتجلِّي الأفعال يقتضي كذا. والقوم عنايتهم بالمعاني أكثر من عنايتهم٤ بالألفاظ، فيتوهّم المتوهِّم أنّهم يريدون تجلِّي حقيقة الذّات والصِّفات والأفعال للعيان، فيقع من يقع منهم في الشَّطَحات والطَّامّات.

والصّادقون العارفون بُرَأَئُ من ذلك، وإنّما يشيرون إلى كمال المعرفة، وارتفاعِ حُجُب الغفلة والشّكِّ والإعراض٥، واستيلاءِ سلطان المعرفة على القلب، بمحْوِ٦ شهود السِّوى بالكلِّية، فلا يشهد القلب سوى معروفه.

ويُنظِّرون هذا بطلوع الشّمس، فإنّها إذا طلعت انطمَسَ نورُ الكواكب، ولم تُعدَم الكواكب، وإنّما غَطّى عليها نور الشّمس، فلم يظهر لها وجودٌ، وهي في الواقع موجودةٌ في مكانها٧. هكذا نور المعرفة إذا استولى على

  1. (١) ش، ر: «نور على».
  2. (٢) ر: «حجاب الكشف».
  3. (٣) ر، ت: «كذا وكذا».
  4. (٤) «بالمعاني أكثر من عنايتهم» ليست في ر.
  5. (٥) ت: «الاعتراض».
  6. (٦) ر، ت: «يمحق».
  7. (٧) ش: «إمكانها». ر، ت: «أماكنها».
520

القلب، وقوي سلطانها، وزالت الموانع والحُجُب عن القلب. ولا يُنِكر هذا إلّا من ليس من أهله.

ولا يَعتقد أنّ الذّات المقدّسة والأوصاف برزَتْ وتجلَّتْ للعبد كما تجلّى سبحانه للطُّور، وكما يتجلّى للناس يومَ القيامة= إلّا غالطٌ فاقدٌ للعلم. وكثيرًا ما يقع الغلط من التّجاوز من نور العبادات والرِّياضة والذِّكر١ إلى نور الذّات والصِّفات. فإنّ العبادة الصّحيحة والرِّياضة الشّرعيّة والذِّكر المتواطئ عليه القلب واللِّسان يُوجِب نورًا على قدر قوّته وضعفه، وربّما قوي ذلك النُّور حتّى يشاهد بالعيان، فيغلط فيه ضعيف العلم والتّمييز بين خصائص الرُّبوبيّة ومقتضيات العبوديّة، فيظنُّه نور الذّات، وهيهات ثمّ هيهات! نور الذّات لا يقوم له شيءٌ، ولو كشفَ سبحانه الحجابَ عنه لتَدكْدَكَ العالم كلُّه، كما تدكدكَ الجبلُ وساخَ لمّا ظهر له ذلك القدر اليسير من التّجلِّي.

وفي «الصّحيح»٢ عنه ﷺ: «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِضُ القِسطَ ويرفعه. يُرفَع إليه عمل اللّيلُ قبلَ النّهار، وعمل النّهار قبل اللّيل. حجابه النُّور، لو كشَفَه لأحرقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه».

فالإسلام له نورٌ، والإيمان له نورٌ أقوى منه، والإحسان له نورٌ أقوى منهما. فإذا اجتمع نور الإسلام والإيمان والإحسان، وزالت الحُجُب

  1. (١) ت: «في الذكر».
  2. (٢) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.
521

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي