القلب، وقوي سلطانها، وزالت الموانع والحُجُب عن القلب. ولا يُنِكر هذا إلّا من ليس من أهله.
ولا يَعتقد أنّ الذّات المقدّسة والأوصاف برزَتْ وتجلَّتْ للعبد كما تجلّى سبحانه للطُّور، وكما يتجلّى للناس يومَ القيامة= إلّا غالطٌ فاقدٌ للعلم. وكثيرًا ما يقع الغلط من التّجاوز من نور العبادات والرِّياضة والذِّكر١ إلى نور الذّات والصِّفات. فإنّ العبادة الصّحيحة والرِّياضة الشّرعيّة والذِّكر المتواطئ عليه القلب واللِّسان يُوجِب نورًا على قدر قوّته وضعفه، وربّما قوي ذلك النُّور حتّى يشاهد بالعيان، فيغلط فيه ضعيف العلم والتّمييز بين خصائص الرُّبوبيّة ومقتضيات العبوديّة، فيظنُّه نور الذّات، وهيهات ثمّ هيهات! نور الذّات لا يقوم له شيءٌ، ولو كشفَ سبحانه الحجابَ عنه لتَدكْدَكَ العالم كلُّه، كما تدكدكَ الجبلُ وساخَ لمّا ظهر له ذلك القدر اليسير من التّجلِّي.
وفي «الصّحيح»٢ عنه ﷺ: «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِضُ القِسطَ ويرفعه. يُرفَع إليه عمل اللّيلُ قبلَ النّهار، وعمل النّهار قبل اللّيل. حجابه النُّور، لو كشَفَه لأحرقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه».
فالإسلام له نورٌ، والإيمان له نورٌ أقوى منه، والإحسان له نورٌ أقوى منهما. فإذا اجتمع نور الإسلام والإيمان والإحسان، وزالت الحُجُب
(١) ت: «في الذكر».
(٢) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.
الشّاغلة عن الله تعالى= امتلأ القلب والجوارح بذلك النُّور، لا بالنُّور الذي هو صفة الرّبِّ تعالى، فإنّ صفاته لا تَحُلُّ في شيءٍ من مخلوقاته، كما أنّ مخلوقاته لا تحلُّ فيه. فالخالق بائنٌ عن المخلوق بذاته وصفاته، فلا اتِّحادَ ولا حلولَ ولا ممازجةَ. تعالى الله عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.
قوله: (وتَعْصِم من عُوارِ التّسلِّي)، العُوار: العيب. والتّسلِّي عن المحبوب الذي لا حياةَ للقلب ولا نعيمَ إلّا بحبِّه والقرب منه والأنسِ بذكره، وهو من أعظم العيوب. فهذه الملاحظة إذا صدقَتْ عصمَتْ صاحبَها من عيبِ سُلْوتِه عن مطلوبه ومراده، فإنّه في هذه الدّرجة مستغرقٌ في شهود الأسماء والصِّفات.
وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها، ودوام ذكرها. ومع هذا فباب السُّلوة١ عليه مسدودٌ، وطريقها عليه مقطوعٌ. والمحبُّ يُمكِنُه٢ التّسلِّي قبل أن يشاهد جمالَ محبوبه، ويستغرقَ في شهود كماله، ويغيبَ به عن غيره. فإذا وصل إلى هذه الحال كان كما قيل٣:
مرَّتْ بأرجاءِ الخيال طُيوفُهفبكَتْ على رسم السُّلوِّ الدّارس
فصل
قال٤: (الدّرجة الثّالثة: ملاحظةُ عين الجمع. وهي تُوقِظ لاستهانة