مدارج السالكين

الشّاغلة عن الله تعالى= امتلأ القلب والجوارح بذلك النُّور، لا بالنُّور الذي هو صفة الرّبِّ تعالى، فإنّ صفاته لا تَحُلُّ في شيءٍ من مخلوقاته، كما أنّ مخلوقاته لا تحلُّ فيه. فالخالق بائنٌ عن المخلوق بذاته وصفاته، فلا اتِّحادَ ولا حلولَ ولا ممازجةَ. تعالى الله عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.

قوله: (وتَعْصِم من عُوارِ التّسلِّي)، العُوار: العيب. والتّسلِّي عن المحبوب الذي لا حياةَ للقلب ولا نعيمَ إلّا بحبِّه والقرب منه والأنسِ بذكره، وهو من أعظم العيوب. فهذه الملاحظة إذا صدقَتْ عصمَتْ صاحبَها من عيبِ سُلْوتِه عن مطلوبه ومراده، فإنّه في هذه الدّرجة مستغرقٌ في شهود الأسماء والصِّفات.

وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها، ودوام ذكرها. ومع هذا فباب السُّلوة١ عليه مسدودٌ، وطريقها عليه مقطوعٌ. والمحبُّ يُمكِنُه٢ التّسلِّي قبل أن يشاهد جمالَ محبوبه، ويستغرقَ في شهود كماله، ويغيبَ به عن غيره. فإذا وصل إلى هذه الحال كان كما قيل٣:

مرَّتْ بأرجاءِ الخيال طُيوفُهفبكَتْ على رسم السُّلوِّ الدّارس

فصل

قال٤: (الدّرجة الثّالثة: ملاحظةُ عين الجمع. وهي تُوقِظ لاستهانة

  1. (١) «على قلبه ... السلوة» ساقطة من ش، د.
  2. (٢) ت: «والمحب حرام عليه».
  3. (٣) تقدم (ص ٣٧٦).
  4. (٤) «المنازل» (ص ٨٢).
522

المجاهدات، وتُخلِّص من رُعونةِ المعارضات، وتُفيد مطالعةَ البدايات).

هذه الدّرجة عنده أرفعُ ممّا قبلها. فإنّ ما قبلها مطالعة كشفٍ وأنوار١ تشير إلى نوع كسبٍ واختيارٍ، وهذه مطالعةٌ تجذب القلب من التّفرُّق في أودية الإرادات وشِعابِ الأحوال والمقامات، إلى ما استولى عليه من عين الجمع، النّاظرة إلى الواحد الفرد الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ، الآخر الذي ليس بعده شيءٌ، الظّاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، الباطن الذي ليس دونه شيءٌ. فسبقَ كلَّ شيءٍ بأوّليّته، وبقي بعد كلِّ شيءٍ بآخريّته، وعلَا فوقَ كلِّ شيءٍ بظهوره، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ ببطونه.

فالنّظرُ بهذه العين يُوقِظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات. ومعنى ذلك أنّ السّالك في مبدأ أمره له شِرَّةٌ، وفي طلبه حِدّةٌ، تحمله على أنواع المجاهدات، وتَرميه عليها لشدّة طلبه. ففتورُه نائمٌ، واجتهاده يقظان.

فإذا وصل إلى هذه الدّرجة استهانَ بالمجاهدات الشّاقّة في جنب ما حصل له من مقام الجمع على الله، واستراحَ من كَدِّها. فإنّ ساعةً من ساعات الجمع على الله أنفعُ وأجدى من القيام بكثيرٍ من المجاهدات البدنيّة التي لم يفرضها الله عليه. فإن أجمعَ٢ همّه وقلبه كلّه على الله، وزال عنه كلُّ مفرِّقٍ ومشتِّتٍ= كانت هذه هي ساعات عمره في الحقيقة، فتعوّض بها عمّا كان يُقاسِيه من كَدِّ المجاهدات وتَعَبِها.

وهذا موضعٌ غلِطَ فيه طائفتان من النّاس:

  1. (١) ر: «كشف الأنوار».
  2. (٢) ت، ر: «فإذا جمع».
523

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي