مدارج السالكين

المجاهدات، وتُخلِّص من رُعونةِ المعارضات، وتُفيد مطالعةَ البدايات).

هذه الدّرجة عنده أرفعُ ممّا قبلها. فإنّ ما قبلها مطالعة كشفٍ وأنوار١ تشير إلى نوع كسبٍ واختيارٍ، وهذه مطالعةٌ تجذب القلب من التّفرُّق في أودية الإرادات وشِعابِ الأحوال والمقامات، إلى ما استولى عليه من عين الجمع، النّاظرة إلى الواحد الفرد الأوّل الذي ليس قبله شيءٌ، الآخر الذي ليس بعده شيءٌ، الظّاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، الباطن الذي ليس دونه شيءٌ. فسبقَ كلَّ شيءٍ بأوّليّته، وبقي بعد كلِّ شيءٍ بآخريّته، وعلَا فوقَ كلِّ شيءٍ بظهوره، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ ببطونه.

فالنّظرُ بهذه العين يُوقِظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات. ومعنى ذلك أنّ السّالك في مبدأ أمره له شِرَّةٌ، وفي طلبه حِدّةٌ، تحمله على أنواع المجاهدات، وتَرميه عليها لشدّة طلبه. ففتورُه نائمٌ، واجتهاده يقظان.

فإذا وصل إلى هذه الدّرجة استهانَ بالمجاهدات الشّاقّة في جنب ما حصل له من مقام الجمع على الله، واستراحَ من كَدِّها. فإنّ ساعةً من ساعات الجمع على الله أنفعُ وأجدى من القيام بكثيرٍ من المجاهدات البدنيّة التي لم يفرضها الله عليه. فإن أجمعَ٢ همّه وقلبه كلّه على الله، وزال عنه كلُّ مفرِّقٍ ومشتِّتٍ= كانت هذه هي ساعات عمره في الحقيقة، فتعوّض بها عمّا كان يُقاسِيه من كَدِّ المجاهدات وتَعَبِها.

وهذا موضعٌ غلِطَ فيه طائفتان من النّاس:

  1. (١) ر: «كشف الأنوار».
  2. (٢) ت، ر: «فإذا جمع».
523

إحدهما: غلَتْ فيه حتّى قدَّمتْه على الفرائض والسُّنن، ورأت نزولها عنه إلى القيام بالأوامر انحطاطًا من الأعلى إلى الأدنى. حتّى قيل لبعض من ذاق ذلك: قُمْ إلى الصّلاة، فقال١:

يُطالَب بالأورادِ من كان غافلًافكيف بقلبٍ كلُّ أوقاتِه وِرْدُ

وقال آخر: لا تُسيِّبْ واردَك لوِردِك.

وهؤلاء بين كافرٍ وناقصٍ: فمن لم يرَ القيامَ بالفرائض إذا حصلت له الجمعيّةُ فهو كافرٌ منسلخٌ من الدِّين. ومن عطّل لها ما مصلحتُه راجحةٌ ــ كالسُّنن الرّواتب، والعلم النّافع، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والنّفع العظيم المتعدِّي ــ فهو ناقصٌ.

والطّائفة الثّانية: لا تَعْبأ بالجمعيّة، ولا تعمل عليها. ولعلّها لا تدري ما مسمّاها وحقيقتها.

وطريقة الأقوياء أهلِ الاستقامة: القيام بالجمعيّة في التّفرقة ما أمكن. فيقوم بالعبادات ونفع الخلق والإحسان إليهم، مع جمعيّته على الله. فإن ضعُفَ عن اجتماع الأمرين وضاق عن ذلك قام بالفرائض، ونزل عن الجمعيّة، ولم يلتفتْ إليها، إذا كان لا يقدر على تحصيلها إلّا بتعطيل الفرض. فإنّ ربّه سبحانه يريد منه أداء فرائضه، ونفسُه تريد الجمعيّة، لما فيها من الرّاحة واللّذّة، والتّخلُّص من ألم التّفرقة وشَعَثِها٢. فالفرائض حقُّ ربِّه، والجمعيّة حظُّه هو. فالعبوديّة الصّحيحة تُوجِب عليه تقديمَ أحد الأمرين

  1. (١) تقدم البيت (١/ ١٣٣، ٣٨٠)، ولم يُنسَب لقائل.
  2. (٢) ر، ت: «شعبها».
524

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي