مدارج السالكين

إحدهما: غلَتْ فيه حتّى قدَّمتْه على الفرائض والسُّنن، ورأت نزولها عنه إلى القيام بالأوامر انحطاطًا من الأعلى إلى الأدنى. حتّى قيل لبعض من ذاق ذلك: قُمْ إلى الصّلاة، فقال١:

يُطالَب بالأورادِ من كان غافلًافكيف بقلبٍ كلُّ أوقاتِه وِرْدُ

وقال آخر: لا تُسيِّبْ واردَك لوِردِك.

وهؤلاء بين كافرٍ وناقصٍ: فمن لم يرَ القيامَ بالفرائض إذا حصلت له الجمعيّةُ فهو كافرٌ منسلخٌ من الدِّين. ومن عطّل لها ما مصلحتُه راجحةٌ ــ كالسُّنن الرّواتب، والعلم النّافع، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والنّفع العظيم المتعدِّي ــ فهو ناقصٌ.

والطّائفة الثّانية: لا تَعْبأ بالجمعيّة، ولا تعمل عليها. ولعلّها لا تدري ما مسمّاها وحقيقتها.

وطريقة الأقوياء أهلِ الاستقامة: القيام بالجمعيّة في التّفرقة ما أمكن. فيقوم بالعبادات ونفع الخلق والإحسان إليهم، مع جمعيّته على الله. فإن ضعُفَ عن اجتماع الأمرين وضاق عن ذلك قام بالفرائض، ونزل عن الجمعيّة، ولم يلتفتْ إليها، إذا كان لا يقدر على تحصيلها إلّا بتعطيل الفرض. فإنّ ربّه سبحانه يريد منه أداء فرائضه، ونفسُه تريد الجمعيّة، لما فيها من الرّاحة واللّذّة، والتّخلُّص من ألم التّفرقة وشَعَثِها٢. فالفرائض حقُّ ربِّه، والجمعيّة حظُّه هو. فالعبوديّة الصّحيحة تُوجِب عليه تقديمَ أحد الأمرين

  1. (١) تقدم البيت (١/ ١٣٣، ٣٨٠)، ولم يُنسَب لقائل.
  2. (٢) ر، ت: «شعبها».
524

على الآخر.

فإذا جاء إلى النّوافل، وتعارض عنده الأمران: فمنهم من يُرجِّح الجمعيّة، ومنهم من يُرجِّح النّوافل، ومنهم من يُؤثِر هذا في وقتٍ وهذا في وقتٍ.

والتّحقيق ــ إن شاء الله ــ أنّ تلك النّوافل إن كانت مصلحتُها أرجحَ من الجمعيّة١، ولا تُعوِّض الجمعيّة عنها= اشتغل بها ولو فاتتْه الجمعيّة، كالدّعوة إلى الله، وتعليم العلم النّافع، وقيام وسط اللّيل، والذِّكر أوّل النهار٢ وآخره، وقراءة القرآن بالتّدبُّر، وفعل٣ الجهاد، والإحسان إلى المضطرِّ، وإغاثة الملهوف، ونحو ذلك. فهذا كلُّه مصلحتُه أرجحُ من مصلحة الجمعيّة.

وإن كانت مصلحته دون مصلحة الجمعيّة ــ كصلاة الضُّحى، وزيارة الإخوان، والتبتل لحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وإجابة الدّعوات، وزيارة القدس، وضيافة الإخوان، ونحو ذلك ــ فهذا فيه تفصيلٌ.

فإن قويتْ جمعيّته وظهر تأثيرها فيه: فهي أولى له وأنفعُ من ذلك. وإن ضعفت الجمعيّة، وقوي إخلاصُه في هذه الأعمال: فهي أنفع له، وأفضلُ من الجمعيّة.

والمعوّل عليه في ذلك: إيثار أحبِّ الأمرين إلى الرّبِّ تعالى. وذلك

  1. (١) ر، ت: «من مصلحة الجمعية».
  2. (٢) ر: «الليل».
  3. (٣) ر: «ونفل».
525

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي