فإذا جاء إلى النّوافل، وتعارض عنده الأمران: فمنهم من يُرجِّح الجمعيّة، ومنهم من يُرجِّح النّوافل، ومنهم من يُؤثِر هذا في وقتٍ وهذا في وقتٍ.
والتّحقيق ــ إن شاء الله ــ أنّ تلك النّوافل إن كانت مصلحتُها أرجحَ من الجمعيّة١، ولا تُعوِّض الجمعيّة عنها= اشتغل بها ولو فاتتْه الجمعيّة، كالدّعوة إلى الله، وتعليم العلم النّافع، وقيام وسط اللّيل، والذِّكر أوّل النهار٢ وآخره، وقراءة القرآن بالتّدبُّر، وفعل٣ الجهاد، والإحسان إلى المضطرِّ، وإغاثة الملهوف، ونحو ذلك. فهذا كلُّه مصلحتُه أرجحُ من مصلحة الجمعيّة.
وإن كانت مصلحته دون مصلحة الجمعيّة ــ كصلاة الضُّحى، وزيارة الإخوان، والتبتل لحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وإجابة الدّعوات، وزيارة القدس، وضيافة الإخوان، ونحو ذلك ــ فهذا فيه تفصيلٌ.
فإن قويتْ جمعيّته وظهر تأثيرها فيه: فهي أولى له وأنفعُ من ذلك. وإن ضعفت الجمعيّة، وقوي إخلاصُه في هذه الأعمال: فهي أنفع له، وأفضلُ من الجمعيّة.
والمعوّل عليه في ذلك: إيثار أحبِّ الأمرين إلى الرّبِّ تعالى. وذلك
(١) ر، ت: «من مصلحة الجمعية».
(٢) ر: «الليل».
(٣) ر: «ونفل».
يُعرَف بنفع العمل وثمرته، من زيادة الإيمان به، وترتُّبِ الغايات الحميدة عليه، وكثرة مواظبة الرّسول ﷺ، وشدّة اعتنائه به، وكثرة الوصيّة به، وإخبارِه أنّ الله يحبُّ فاعله، ويُباهي به ملائكته، ونحو ذلك.
ونكتة المسألة وحرفها: أنّ الصّادق في طلبه يُؤثِر مرضاةَ ربِّه على حظِّه، فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل، وحظُّه في الجمعيّة: خلّى الجمعيّة تذهب، وقام بما فيه رضا الله. ومتّى علم الله من قلبه أنّ مراده وتوقُّعه١ ليعلم: أيّ الأمرين أحبُّ إلى الله وأرضى له= أنشأَ له من ذلك التّوقُّفِ والتّردُّدِ حالةً شريفةً فاضلةً، حتّى لو أقدمَ على المفضول ــ لِظنِّه أنّه الأحبُّ إلى الله ــ رَدَّتْ تلك النِّيّةُ والإرادة عليه ما ذهبَ عليه وفَاتَه من زيادة العمل الآخر. وبالله التّوفيق.
وفي كلامه معنًى آخر، وهو أنّ صاحب المجاهدات مسافرٌ بعزمه وهمِّه إلى الله، فإذا لاحظ عينَ الجمع ــ وهي الوحدانيّة التي شهودُ عينِها: هو انكشافُ حقيقتها للقلب ــ كان بمنزلة مسافرٍ جادٍّ في سيره٢، قد وصل إلى المنزل، وقَرَّتَ عينُه بالوصول، وسكنَتْ نفسُه، كما قيل٣:
فألقتْ عصاها واستقَرَّ بها النَّوىكما قَرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ
(١) ر: «تردده وتوقفه».
(٢) ت: «سفره».
(٣) البيت لمعقّر بن حمار البارقي من قصيدة له في «النقائض» (٢/ ٦٧٨)، و«الأغاني» (١١/ ١٦٠)، و«العقد الفريد» (٥/ ١٤٤)، وللمضرّس الأسدي في «البيان والتبيين» (٣/ ٤٠)، ولراشد بن عبد ربه في «العقد الفريد» (٥/ ١٤٦)، وللأحمر بن سالم المزني في «بهجة المجالس» (١/ ٢٢٨).