مدارج السالكين

يُعرَف بنفع العمل وثمرته، من زيادة الإيمان به، وترتُّبِ الغايات الحميدة عليه، وكثرة مواظبة الرّسول ﷺ، وشدّة اعتنائه به، وكثرة الوصيّة به، وإخبارِه أنّ الله يحبُّ فاعله، ويُباهي به ملائكته، ونحو ذلك.

ونكتة المسألة وحرفها: أنّ الصّادق في طلبه يُؤثِر مرضاةَ ربِّه على حظِّه، فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل، وحظُّه في الجمعيّة: خلّى الجمعيّة تذهب، وقام بما فيه رضا الله. ومتّى علم الله من قلبه أنّ مراده وتوقُّعه١ ليعلم: أيّ الأمرين أحبُّ إلى الله وأرضى له= أنشأَ له من ذلك التّوقُّفِ والتّردُّدِ حالةً شريفةً فاضلةً، حتّى لو أقدمَ على المفضول ــ لِظنِّه أنّه الأحبُّ إلى الله ــ رَدَّتْ تلك النِّيّةُ والإرادة عليه ما ذهبَ عليه وفَاتَه من زيادة العمل الآخر. وبالله التّوفيق.

وفي كلامه معنًى آخر، وهو أنّ صاحب المجاهدات مسافرٌ بعزمه وهمِّه إلى الله، فإذا لاحظ عينَ الجمع ــ وهي الوحدانيّة التي شهودُ عينِها: هو انكشافُ حقيقتها للقلب ــ كان بمنزلة مسافرٍ جادٍّ في سيره٢، قد وصل إلى المنزل، وقَرَّتَ عينُه بالوصول، وسكنَتْ نفسُه، كما قيل٣:

فألقتْ عصاها واستقَرَّ بها النَّوىكما قَرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ
  1. (١) ر: «تردده وتوقفه».
  2. (٢) ت: «سفره».
  3. (٣) البيت لمعقّر بن حمار البارقي من قصيدة له في «النقائض» (٢/ ٦٧٨)، و«الأغاني» (١١/ ١٦٠)، و«العقد الفريد» (٥/ ١٤٤)، وللمضرّس الأسدي في «البيان والتبيين» (٣/ ٤٠)، ولراشد بن عبد ربه في «العقد الفريد» (٥/ ١٤٦)، وللأحمر بن سالم المزني في «بهجة المجالس» (١/ ٢٢٨).
526

ولكنّ هذا الموضع مورد الصِّدِّيق الموحِّد، والزِّنديق الملحد.

فالزِّنديق يقول: الاشتغال بالسّير بعد الوصول عبثٌ١ لا فائدة فيه. والوصول عنده هو ملاحظة عينِ الجمع. فإذا استغرق في هذا الشُّهود، وفني به عن كلِّ ما سواه= ظنّ أنّ ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات، وقد حصلتْ له الغاية، فرأى قيامَه بها أولى به وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة. فالعبادات البدنيّة عنده وسيلةٌ لغايةٍ، وقد حصلتْ، فلا يُغني الاشتغال٢ بالوسيلة بعدها، كما يقول كثيرٌ من النّاس: إنّ العلم وسيلةٌ إلى العمل، فإذا اشتغلتَ بالغاية لم تَحتجْ إلى الوسيلة.

وقد اشتدّ نكيرُ أهل٣ الاستقامة من الشُّيوخ على هذه الفرقة، وحذَّروا منهم، وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشّهوات خيرًا منهم وأرجى عاقبةً.

وأمّا الصِّدِّيق الموحِّد: فإذا وصل إلى٤ هناك صارت أعماله القلبيّة والرُّوحيّة أعظمَ من أعماله البدنيّة، ولم يُسقِط من طاعاتِه٥ شيئًا، لكنّه استراح من كَدِّ المجاهدة بما لاحظه من٦ عين الجمع، وصار بمنزلة مسافرٍ طلب مَلِكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا، فجَدَّ في السّفر إليه خشيةَ أن يقتطع دونه، فلمّا وصل إليه ووقع بصره عليه بَقَّى له سيرًا آخر في مرضاته ومَحابِّه.

  1. (١) ر: «عيب».
  2. (٢) ر، ت: «معنى للاشتغال».
  3. (٣) ر: «نكير السلف من أهل».
  4. (٤) «إلى» ليست في د.
  5. (٥) ر: «أعماله».
  6. (٦) ر: «بملاحظة».
527

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي