مدارج السالكين

ولكنّ هذا الموضع مورد الصِّدِّيق الموحِّد، والزِّنديق الملحد.

فالزِّنديق يقول: الاشتغال بالسّير بعد الوصول عبثٌ١ لا فائدة فيه. والوصول عنده هو ملاحظة عينِ الجمع. فإذا استغرق في هذا الشُّهود، وفني به عن كلِّ ما سواه= ظنّ أنّ ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات، وقد حصلتْ له الغاية، فرأى قيامَه بها أولى به وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة. فالعبادات البدنيّة عنده وسيلةٌ لغايةٍ، وقد حصلتْ، فلا يُغني الاشتغال٢ بالوسيلة بعدها، كما يقول كثيرٌ من النّاس: إنّ العلم وسيلةٌ إلى العمل، فإذا اشتغلتَ بالغاية لم تَحتجْ إلى الوسيلة.

وقد اشتدّ نكيرُ أهل٣ الاستقامة من الشُّيوخ على هذه الفرقة، وحذَّروا منهم، وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشّهوات خيرًا منهم وأرجى عاقبةً.

وأمّا الصِّدِّيق الموحِّد: فإذا وصل إلى٤ هناك صارت أعماله القلبيّة والرُّوحيّة أعظمَ من أعماله البدنيّة، ولم يُسقِط من طاعاتِه٥ شيئًا، لكنّه استراح من كَدِّ المجاهدة بما لاحظه من٦ عين الجمع، وصار بمنزلة مسافرٍ طلب مَلِكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا، فجَدَّ في السّفر إليه خشيةَ أن يقتطع دونه، فلمّا وصل إليه ووقع بصره عليه بَقَّى له سيرًا آخر في مرضاته ومَحابِّه.

  1. (١) ر: «عيب».
  2. (٢) ر، ت: «معنى للاشتغال».
  3. (٣) ر: «نكير السلف من أهل».
  4. (٤) «إلى» ليست في د.
  5. (٥) ر: «أعماله».
  6. (٦) ر: «بملاحظة».
527

فالأوّل كان سيرًا إليه، وهذا سيرٌ في محابِّه ومراضيه. فهذا أقربُ ما يقال في كلام الشّيخ وأمثاله في ذلك.

وبعد، فالعبد وإن لاحظ عينَ الجمع ولم يَغِبْ عنها، فهو سائرٌ إلى الله، ولا ينقطع سيرُه إليه ما دام في قيد الحياة. ولا يصل العبد ما دام حيًّا إلى الله وصولًا يستغني به عن المسير١ إليه البتّة، وهذا عين المحال. بل يشتدُّ سيره إلى الله كلّما زادت ملاحظته لتوحيده وأسمائه وصفاته. ولهذا كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق اجتهادًا، وقيامًا بالأعمال، ومحافظةً عليها، إلى أن توفّاه وهو أعظم ما كان اجتهادًا وقيامًا بوظائف العبوديّة. فلو أتى العبد بأعمال الثَّقلَين جميعها لم تفارِقه حقيقة السّير إلى الله، وكان بعدُ في طريق الطّلب والإرادة.

وتقسيم السّائرين إلى الله إلى طالبٍ وسائرٍ وواصلٍ، أو إلى مريدٍ ومرادٍ= تقسيمٌ فيه مساهلةٌ لا تقسيمٌ حقيقيٌّ، فإنّ الطّلب والسُّلوك والإرادة لو فارق العبدَ انقطع عن الله بالكلِّيّة. ولكنّ هذا التّقسيم باعتبار تنقُّل العبد في أحوال سيره، وإلّا فإرادة العبدِ المرادَ وطلبُه وسيرُه أشدُّ من إرادةِ غيره وطلبِه وسيرِه.

وأيضًا فإنّه مرادٌ أوّلًا، حيث أُقيم مقامَ الطّلب، وجُذِب إلى السّير. فكلُّ مريدٍ مرادٌ، وكلُّ واصلٍ سالكٌ وطالبٌ لا يفارقه طلبه ولا سيره، وإن تنوّعتْ طرقُ السّير بحسب اختلاف حال العبد.

فمن السّالكين: من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلبَ عليه من سيره

  1. (١) ر، ت: «السير».
528

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي