مدارج السالكين

بقلبه وروحه.

ومنهم: من سيره بقلبه أغلبُ عليه، أعني قوّة سيره وحِدَّته.

ومنهم ــ وهم الكمّل الأقوياء ــ: من يعطي كلَّ مرتبةٍ حقّها، فيسير إلى الله ببدنه وجوارحه، وقلبه وروحه.

وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنّهم في مقام الإرادة له، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩]. فالعبد أخصُّ أوصافِه وأعلى مقاماتِه: أن يكون مريدًا صادقَ الإرادة، عبدًا في إرادته، بحيث يكون مراده تبعًا لمراد ربِّه الدِّينيِّ منه، ليس له إرادةٌ في سواه.

وقد يُحمَل كلامُه١ على معنًى آخر، وهو أن يكون معنى قوله: (إنّ ملاحظة الجمع تُوقِظ للاستهانة بالمجاهدات): أنّه يُوقِظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات، وتكون اللّام للتّعليل، أي تُوقِظه من سِنَة التّقصير لاستهانته بالمجاهدات. وهذا معنًى صحيحٌ في نفسه، فإنّ العبد كلّما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله أعظم. قال تعالى: ﴿فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ﴾ [الحج: ٧٨].

وتأمَّلْ أحوال رسول الله ﷺ وأصحابه، فإنّهم كانوا كلَّما تَرقَّوا من القرب في مقامٍ عظُمَ جهادهم واجتهادهم. لا كما ظنَّه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطّريق، حيث قال٢: القرب الحقيقيُّ يَنقُل العبد من الأعمال٣ الظّاهرة إلى

  1. (١) ر، ت: «كلام الشيخ».
  2. (٢) هو التلمساني في «شرحه» (ص ٤٥٣).
  3. (٣) ر: «الأحوال».
529

الأعمال الباطنة، ويُرِيح الجسدَ والجوارح من كَدِّ العمل.

وهؤلاء أعظم كفرًا وإلحادًا، حيث عَطَّلوا العبوديّة، وظنُّوا أنّهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أمانيِّ النّفس وخُدَع الشّيطان. وكأنّ قائلهم إنّما عنى نفسَه وذوي مذهبه بقوله١:

رَضُوا بالأمانِيْ وابتُلُوا بحظوظِهموخَاضُوا بحارَ الحبِّ دعوى فما ابْتَلُّوا
فهم في السُّرى لم يَبْرَحوا من مكانهموما ظَعَنوا في السَّيْر عنه فقد٢ كَلُّوا

وقد صرَّحَ أهل الاستقامة وأئمّة الطّريق بكفر هؤلاء وأخرجوهم من الإسلام، وقالوا: لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقامٍ يناله العبد لما سقط عنه من التّكليف مثقالُ ذرّةٍ، أي ما دام قادرًا عليه.

وهؤلاء يظنُّون أنّهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشّريعة.

واجتمعت علماء الطّائفة على أنّ هذا كفرٌ وإلحادٌ، وصرّحوا بأنّ كلّ حقيقةٍ لا تتبعها شريعةٌ فهي كفرٌ.

وقال سريٌّ: من ادّعى باطنَ حقيقةٍ ينقضُها ظاهرُ حكمٍ فهو غالطٌ٣.

وقال سيِّد الطّائفة الجنيد بن محمّدٍ: علمنا هذا متشبِّكٌ بحديث رسول الله ﷺ٤.

  1. (١) البيتان لابن الفارض في «ديوانه» (٢/ ١٦٠).
  2. (٢) ر، ت وفي (ص ٥٧٠): «وقد».
  3. (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٢١). وأورده ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ١٥١)، والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢١٦).
  4. (٤) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ٢٥١). وأورده الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٦/ ٩٢٤)، وتقدم عند المؤلف (ص ١٢٧) بنحوه.
530

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي