مدارج السالكين

الأعمال الباطنة، ويُرِيح الجسدَ والجوارح من كَدِّ العمل.

وهؤلاء أعظم كفرًا وإلحادًا، حيث عَطَّلوا العبوديّة، وظنُّوا أنّهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أمانيِّ النّفس وخُدَع الشّيطان. وكأنّ قائلهم إنّما عنى نفسَه وذوي مذهبه بقوله١:

رَضُوا بالأمانِيْ وابتُلُوا بحظوظِهموخَاضُوا بحارَ الحبِّ دعوى فما ابْتَلُّوا
فهم في السُّرى لم يَبْرَحوا من مكانهموما ظَعَنوا في السَّيْر عنه فقد٢ كَلُّوا

وقد صرَّحَ أهل الاستقامة وأئمّة الطّريق بكفر هؤلاء وأخرجوهم من الإسلام، وقالوا: لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقامٍ يناله العبد لما سقط عنه من التّكليف مثقالُ ذرّةٍ، أي ما دام قادرًا عليه.

وهؤلاء يظنُّون أنّهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشّريعة.

واجتمعت علماء الطّائفة على أنّ هذا كفرٌ وإلحادٌ، وصرّحوا بأنّ كلّ حقيقةٍ لا تتبعها شريعةٌ فهي كفرٌ.

وقال سريٌّ: من ادّعى باطنَ حقيقةٍ ينقضُها ظاهرُ حكمٍ فهو غالطٌ٣.

وقال سيِّد الطّائفة الجنيد بن محمّدٍ: علمنا هذا متشبِّكٌ بحديث رسول الله ﷺ٤.

  1. (١) البيتان لابن الفارض في «ديوانه» (٢/ ١٦٠).
  2. (٢) ر، ت وفي (ص ٥٧٠): «وقد».
  3. (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٢١). وأورده ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ١٥١)، والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢١٦).
  4. (٤) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ٢٥١). وأورده الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٦/ ٩٢٤)، وتقدم عند المؤلف (ص ١٢٧) بنحوه.
530

وقال إبراهيم بن محمّدٍ النَّصراباذيُّ: أصلُ هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسُّنّة، وترك الأهواء والبدع، والتّمسُّك بالأئمّة، والاقتداء بالسّلف، وتركُ ما أحدثه الآخرون، والمُقامُ على ما سلكه الأوّلون١.

وسئل إسماعيل بن نُجيدٍ: ما الذي لا بدَّ للعبد منه؟ فقال: ملازمة العبوديّة على السُّنّة، ودوام المراقبة٢.

وسئل: ما التّصوُّف؟ فقال: الصّبر تحت الأمر والنّهي٣.

وقال أحمد بن أبي الحَواريِّ: من عمِلَ بلا اتِّباع سنّةٍ فباطلٌ عملُه٤.

وقال الشِّبليُّ يومًا ــ ومدّ يده إلى ثوبه ــ: لولا أنّه عاريةٌ لمزّقته. فقيل له: رؤيتك في تلك الغلبة ثيابك، وأنّها عاريةٌ؟ فقال: نعم أرباب الحقائق محفوظٌ عليهم في كلِّ الأوقات الشّريعة٥.

وقال أبو يزيد البِسطاميُّ: لو نظرتم إلى رجلٍ أُعطي من الكرامات حتّى

  1. (١) رواه السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٤٨٨). وذكره التيمي في «سير السلف» (ص ١٣٤٨)، والقشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ٢٢٦)، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (٨/ ٢٦٣) و«سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٢٦٥).
  2. (٢) رواه السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٤٥٥)، ومن طريقه البيهقي في «الزهد الكبير» (٧٤٩).
  3. (٣) رواه السلمي (ص ٤٥٤)، والقشيري (ص ٢١٧)، والتيمي في «سير السلف» (ص ١٣٤٦).
  4. (٤) رواه السلمي (ص ١٠١)، والقشيري (ص ١٤٣).
  5. (٥) لم أجد هذا الخبر فيما رجعت إليه من مصادر.
531

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي