مدارج السالكين

يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه، بل يخرج السّامع قائلًا للحاضر معه: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].

والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أنّ هذه المرتبة إنّما تحصل بواسطة الأذن، ومرتبة الإفهام أعمُّ، فهي أخصُّ من مرتبة الفهم من هذا الوجه. ومرتبةُ الفهم أخصُّ من وجهٍ آخر، وهي أنّها تتعلَّق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلّقاته وإشاراته. ومرتبةُ السّماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب، ويترتَّب١ على هذا السَّماع سماعُ القبول.

فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة.

فصل

المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام.

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]. وقال النّبيُّ ﷺ لحُصين بن المنذر٢ الخُزاعيِّ لمّا أسلم: "قل: اللهمَّ أَلْهِمْني رُشدي، وقِني شرَّ نفسي"٣.

  1. (١) ل، ش: "ترتب"، وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
  2. (٢) كذا سماه المؤلف هنا وفي منزلة التوبة (٣٤٤)، وفي "طريق الهجرتين" (٢/ ٦٢٧)، و"الوابل الصيب" (٤١٠)، و"الكافية الشافية" (١٧٠٦). وهو حصين بن عبيد بن خلف الغاضري الخزاعي. انظر: "الإصابة" (٢/ ٥٦٢ - هجر) وغيره من كتب الصحابة.
  3. (٣) أخرجه الترمذي (٣٤٨٣)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٣٥٥)، والطبراني في "الأوسط" (١٩٨٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٩٤) وغيرُهم من حديث عمران بن حصين في قصة إسلام أبيه حصين الخزاعي. وفي إسناده شبيب بن شيبة، فيه ضعف، والحسن لم يسمع من عمران. ينظر: "العلل الكبير" (٦٧٧).
    وأخرجه أحمد (١٩٩٩٢) والترمذي في "العلل الكبير" (٦٧٨) والنسائي في "الكبرى" (١٠٧٦٤ - ١٠٧٦٦) وابن حبان (٨٩٩) وغيرهم من طرق عن منصور بن المعتمر عن رِبْعِي بن حِراش عن عمران بنحوه، وفيه: "قل: اللهم قني شرَّ نفسي، واعزم لي على أرشد أمري". وإسناده صحيح، صححه ابن حبان والحاكم (١/ ٥١٠) والحافظ في "الإصابة" (٢/ ٥٦٢).
69

وقد جعل صاحبُ المنازل الإلهامَ هو مقام المحدَّثين.

قال١: (وهو فوق الفراسة، لأنّ الفراسة ربَّما وقعت نادرةً٢، واستصعبت على صاحبها وقتًا، أو استعصت٣ عليه. والإلهام لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ).

قلت: التّحديثُ أخصُّ من الإلهام، فإنَّ الإلهامَ عامٌّ للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكلُّ مؤمنٍ فقد ألهمه الله رشدَه الذي حصل له به الإيمان. وأمَّا٤ التّحديث فالنّبيُّ ﷺ قال فيه: "إن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعُمَر"٥، يعني من

  1. (١) في باب الإلهام (ص ٦٦).
  2. (٢) في الأصل: "زيادة" وهو سهو من الناسخ بلا شك وفات تصحيحه عند القراءة على المؤلف! وكذا في م، وأصلح في ل. وستأتي الكلمة على الصواب في الشرح.
  3. (٣) كذا في "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦١) وفي "المنازل": "أو استصعبت ... واستعصت"، وهو أشبه بالسياق، ويؤيده كلام المؤلف في تفسيره فيما يأتي. ومثله في شرح التلمساني.
  4. (٤) ع: "فأما".
  5. (٥) سبق تخريجه قريبًا (ص ٦١).
70

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي