وقال سهل بن عبد الله: الزم السّواد على البياض ــ حدّثنا وأخبرنا ــ إن أردت أن١ تفلح٢.
ولقد كان سادات الطّائفة أشدَّ ما كانوا اجتهادًا في آخر أعمارهم.
قال القشيريُّ٣: سمعت أبا عليٍّ الدّقّاق يقول: رُئي في يد الجنيد سُبحةٌ، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحةً؟ فقال: طريقٌ به وصلتُ إلى ربِّي ﵎ لا أفارقه أبدًا.
وقال إسماعيل٤ بن نُجيدٍ: كان الجنيد يجيء كلّ يومٍ إلى السُّوق، فيفتح بابَ حانوته، فيدخله ويُسبِل السِّتر، ويصلِّي أربعمائة ركعةٍ، ثمّ يرجع إلى بيته.
ودخل عليه ابنُ عطاءٍ وهو في النَّزع، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه. ثمّ ردّ عليه بعد ساعةٍ، فقال: اعذرني، فإنِّي كنتُ في وِرْدي. ثمّ حَوَّل وجهَه إلى القبلة، وكبّر، ومات٥.
(٤) «إسماعيل» ليست في ش، د. والخبر من طريقه في «تاريخ بغداد» (٧/ ٢٤٥). وانظر: «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٦)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٤٢٢).
(٥) الخبر في «تاريخ بغداد» (٧/ ٢٤٥).
وقال أبو سعيد بن الأعرابيِّ: سمعت أبا بكرٍ العطّار يقول: حضرتُ أبا القاسم الجُنيد أنا وجماعةٌ من أصحابنا، وكان قاعدًا يصلِّي، ويَثْنِي رجلَه إذا أراد أن يسجد. فلم يزل كذلك حتّى خرجت الرُّوح من رجليه، فثقلَتْ عليه حركتها، وكانتا قد تورَّمتا. فقال له بعض أصحابه: ما هذا يا أبا القاسم؟ فقال: هذه نِعَمُ الله. الله أكبر. فلمّا فرغ من صلاته قال له أبو محمّدٍ الجريريُّ: يا أبا القاسم، لو اضطجعتَ. فقال: يا أبا محمّدٍ، هذا وقتٌ يؤخذ فيه الله أكبر. فلم يزل ذلك حاله حتّى مات١.
ودخل عليه شابٌّ وهو في مرضه الذي مات فيه، وقد تورَّم وجهُه، وبين يديه مخدَّةٌ يصلِّي إليها، فقال: وفي هذه السّاعة لا تترك الصّلاة؟ فلمّا سلّم دعاه وقال: هذا شيءٌ وصلتُ به إلى الله، فلا أدَعُه. ومات بعد ساعةٍ٢.
وقال أبو محمّدٍ الجريريُّ: كنتُ واقفًا على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يومَ جمعةٍ ويومَ نَيروزٍ، وهو يقرأ القرآن. فقلت له: يا أبا القاسم، ارفُقْ بنفسك، فقال: يا أبا محمّدٍ، أرأيتَ أحدًا أحوجَ إليه منِّي في مثل هذا الوقت، وهو ذا تُطوى صحيفتي؟٣.
وقال أبو بكرٍ العَطويُّ: كنت عند الجنيد حين مات، فختم القرآن، ثمّ ابتدأ في ختمةٍ أخرى، فقرأ من البقرة سبعين آيةً، ثمّ مات٤.