وقال محمّد بن إبراهيم: رأيت الجنيد في النّوم، فقلت: ما فعلَ الله بك؟ فقال: طاحتْ تلك الإشارات، وغابتْ تلك العبارات، وفنِيتْ تلك العلوم، ونفدت تلك الرُّسوم، وما نفعَنا إلّا ركعاتٌ كنّا نركعها في الأسحار١.
وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة، وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعدما وصلوا إليه، فقال الجنيد: العبادة على العارفين أحسن من التِّيجان على رؤوس الملوك٢.
وقال: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق، إلّا من اقتفى أثر الرّسول، واتّبعَ سنّته، ولزِمَ طريقته، فإنّ طُرق الخيرات كلّها مفتوحةٌ عليه٣.
وقال: من ظنّ أنّه يصل ببذل المجهود فمُتعَنٍّ، ومن ظنّ أنّه يصل بغير بذل٤ المجهود فمتمنٍّ٥.
وقال أبو نعيمٍ٦: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن جعفر بن هانئٍ يقول: سألت الجنيد، ما علامة الإيمان؟ فقال: علامته طاعةُ من آمنت به،
(٣) رواه السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ١٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٧).
(٤) ش، د: «لا يصل ببذل». والمثبت موافق لما في «حلية الأولياء».
(٥) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٦٧). ورُوي نحوه عن أبي سعيد الخراز في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٧٧)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٩٠)، و«الزهد الكبير» للبيهقي (٧٢٩).
(٦) في «الحلية» (١٠/ ٢٦٦).
والعمل بما يُحِبُّه ويرضاه، وتركُ التّشاغل عنه بما ينقضي ويزول.
فرحمةُ الله على أبي القاسم الجنيد ورضي الله عنه، ما أَتبعَه لسنّة الرّسول ﷺ! وما أقفاه لطريقته وطريقة أصحابه١!
وهذا بابٌ يطول تتبُّعه جدًّا، يدلُّك على أنّ أهل الاستقامة في نهاياتهم أشدُّ اجتهادًا منهم في بداياتهم، بل كان اجتهادهم في البداية في عملٍ مخصوصٍ، فصار اجتهادهم في النِّهاية في الطّاعة المطلقة، وصارت إرادتهم دائرةً معها. فيضعُف الاجتهاد في العين، لأنّه قد صار مقسومًا بينه وبين غيره.
ولا تُصْغ إلى٢ قول ملحدٍ قاطعٍ للطّريق في قالب عارفٍ، يقول: إنّ منزلة القرب تنقُلُ العبد من الأعمال الظّاهرة إلى الأعمال الباطنة، وتحملُه٣ على الاستهانة بالطّاعات الظّاهرة، وتُرِيحه من القيام بها.
فصل
قوله: (وتُخلِّص من رُعونة المعارضات)، يريد أنّ هذه الملاحظة تُخلِّص العبدَ من رعونة معارضة حكم الله الدِّينيِّ والكونيِّ الذي لم يأمر بمعارضته، فيستسلم للحكمين. فإنّ ملاحظة عينِ الجمع يُشهِده أنّ الحكمين صدرا عن عزيزٍ حكيمٍ، فلا يُعارِض حكمَه برأيٍ ولا عقلٍ ولا ذوقٍ ولا خاطرٍ.
وأيضًا فيُخلِّص قلبَه من معارضات السُّوء للأمر والخبر، فإنّ الأمر