مدارج السالكين

والعمل بما يُحِبُّه ويرضاه، وتركُ التّشاغل عنه بما ينقضي ويزول.

فرحمةُ الله على أبي القاسم الجنيد ورضي الله عنه، ما أَتبعَه لسنّة الرّسول ﷺ! وما أقفاه لطريقته وطريقة أصحابه١!

وهذا بابٌ يطول تتبُّعه جدًّا، يدلُّك على أنّ أهل الاستقامة في نهاياتهم أشدُّ اجتهادًا منهم في بداياتهم، بل كان اجتهادهم في البداية في عملٍ مخصوصٍ، فصار اجتهادهم في النِّهاية في الطّاعة المطلقة، وصارت إرادتهم دائرةً معها. فيضعُف الاجتهاد في العين، لأنّه قد صار مقسومًا بينه وبين غيره.

ولا تُصْغ إلى٢ قول ملحدٍ قاطعٍ للطّريق في قالب عارفٍ، يقول: إنّ منزلة القرب تنقُلُ العبد من الأعمال الظّاهرة إلى الأعمال الباطنة، وتحملُه٣ على الاستهانة بالطّاعات الظّاهرة، وتُرِيحه من القيام بها.

فصل

قوله: (وتُخلِّص من رُعونة المعارضات)، يريد أنّ هذه الملاحظة تُخلِّص العبدَ من رعونة معارضة حكم الله الدِّينيِّ والكونيِّ الذي لم يأمر بمعارضته، فيستسلم للحكمين. فإنّ ملاحظة عينِ الجمع يُشهِده أنّ الحكمين صدرا عن عزيزٍ حكيمٍ، فلا يُعارِض حكمَه برأيٍ ولا عقلٍ ولا ذوقٍ ولا خاطرٍ.

وأيضًا فيُخلِّص قلبَه من معارضات السُّوء للأمر والخبر، فإنّ الأمر

  1. (١) هذه الفقرة ليست في ش، د، ت.
  2. (٢) د: «الا»، خطأ.
  3. (٣) ر: «وتحمل».
536

يُعارَض بالشّهوة، والخبر يُعارَض بالشّكِّ والشُّبهة. فملاحظة عينِ الجمع تُخلِّص قلبه من هاتين المعارضتين. وهذا هو القلب السّليم الذي لا يُفلِح إلّا من لقي الله به. هذا تفسير أهل الاستقامة١.

وأمّا أهل الإلحاد فقالوا٢: المراد بالمعارضات هاهنا الإنكارُ على الخلق بما يبدو منهم من أحكام البشريّة، لأنّ المُشاهِد لعين الجمع يعلم أنّ مراد الله من الخلائق ما هم عليه، وإذا علم ذلك بحقيقة الشُّهود كانت المعارضات والإنكار من رُعونات الأنفس المحجوبة.

وقال قدوتهم في ذلك٣: العارف لا ينكر منكرًا، لاستبصاره بسِرِّ الله في القدر.

وهذا عينُ الإلحاد والانسلاخ من الدِّين بالكلِّيّة، وقد أعاذ الله شيخَ الإسلام من ذلك. وإذا كان الملحد يُحمِّل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله، فما الظّنُّ بكلام مخلوقٍ مثله؟

فيقال: إنّما بعث الله رسلَه وأنزل كُتبَه بالإنكار على الخلق ما هم عليه من أحكام البشريّة وغيرها. فبهذا أُرسِلت الرُّسل، وأُنزِلت الكتب، وانقسمت الدّار إلى دار سعادةٍ للمنكرين، ودار شقوةٍ٤ للمنكر عليهم. فالطّعنُ في ذلك طعنٌ في الرُّسل والكتب، والتّخلُّص من ذلك تخلُّصٌ من رِبقة الدِّين.

  1. (١) ر: «أهل الحق والاستقامة».
  2. (٢) انظر: «شرح القاساني» (ص ٤٥٠)، و«شرح التلمساني» (ص ٤٥٣).
  3. (٣) هو ابن سينا، قاله في «الإشارات» (ص ٣٦٥) طبعة قم ١٤٢٣. وقد عزاه إليه المؤلف في «شفاء العليل» (ص ٣٩).
  4. (٤) ر: «شقاوة».
537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي