يُعارَض بالشّهوة، والخبر يُعارَض بالشّكِّ والشُّبهة. فملاحظة عينِ الجمع تُخلِّص قلبه من هاتين المعارضتين. وهذا هو القلب السّليم الذي لا يُفلِح إلّا من لقي الله به. هذا تفسير أهل الاستقامة١.
وأمّا أهل الإلحاد فقالوا٢: المراد بالمعارضات هاهنا الإنكارُ على الخلق بما يبدو منهم من أحكام البشريّة، لأنّ المُشاهِد لعين الجمع يعلم أنّ مراد الله من الخلائق ما هم عليه، وإذا علم ذلك بحقيقة الشُّهود كانت المعارضات والإنكار من رُعونات الأنفس المحجوبة.
وقال قدوتهم في ذلك٣: العارف لا ينكر منكرًا، لاستبصاره بسِرِّ الله في القدر.
وهذا عينُ الإلحاد والانسلاخ من الدِّين بالكلِّيّة، وقد أعاذ الله شيخَ الإسلام من ذلك. وإذا كان الملحد يُحمِّل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله، فما الظّنُّ بكلام مخلوقٍ مثله؟
فيقال: إنّما بعث الله رسلَه وأنزل كُتبَه بالإنكار على الخلق ما هم عليه من أحكام البشريّة وغيرها. فبهذا أُرسِلت الرُّسل، وأُنزِلت الكتب، وانقسمت الدّار إلى دار سعادةٍ للمنكرين، ودار شقوةٍ٤ للمنكر عليهم. فالطّعنُ في ذلك طعنٌ في الرُّسل والكتب، والتّخلُّص من ذلك تخلُّصٌ من رِبقة الدِّين.
(٣) هو ابن سينا، قاله في «الإشارات» (ص ٣٦٥) طبعة قم ١٤٢٣. وقد عزاه إليه المؤلف في «شفاء العليل» (ص ٣٩).
(٤) ر: «شقاوة».
ومَن تأمّل أحوال الرُّسل مع أممهم وجدَهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشدَّ القيام حتّى لَقُوا الله، وأَوصَوا أُمَمهم بالإنكار على مَن خالفهم، وأخبر النّبيُّ ﷺ أنّ المتخلِّص من مقامات الإنكار الثّلاثة ليس معه من الإيمان حبّةُ خَردلٍ١.
وبالغ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر٢ أشدَّ المبالغة، حتّى قال: «إنّ النّاس إذا تركوه: أوشَكَ أن يَعُمَّهم الله بعقابٍ من عندِه»٣.
وأخبر أن تركَه يمنع إجابةَ دعاء الأخيار، ويُوجب تسلُّطَ الأشرار٤.
وأخبر أنّ ترْكَه يُوقِع المخالفةَ بين القلوب والوجوه، ويُحِلُّ لعنةَ الله، كما لَعنَ بني إسرائيل على تركه٥.
(١) كما في حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم (٥٠).
(٢) «عن المنكر» ليست في ش.
(٣) أخرجه أحمد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥) وغيرهم من حديث أبي بكر الصديق ﵁. وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٣٠٤).
(٤) رواه أحمد (٢٣٣١٢)، وابن أبي شيبة (١٥/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٧٩) من حديث أبي الرقاد عن حذيفة بن اليمان موقوفًا بلفظ «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر ولتحاضُّنَّ على الخير، أو ليُسْحِتنَّكم الله جميعًا بعذاب، أو ليُؤمَّرن عليكم شرارُكم، ثم يَدعُو خيارُكم فلا يُستجاب لكم». وأبو الرقاد العبسي مجهول. ورواه أحمد (٢٣٣٠١)، والترمذي (٢١٦٩)، والبيهقي (١٠/ ٩٣) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي عن حذيفة مرفوعًا بنحوه. وحسَّنه الترمذي.
(٥) رواه أحمد (٣٧١٣)، وأبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧، ٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦) من طرقٍ عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود.