ومَن تأمّل أحوال الرُّسل مع أممهم وجدَهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشدَّ القيام حتّى لَقُوا الله، وأَوصَوا أُمَمهم بالإنكار على مَن خالفهم، وأخبر النّبيُّ ﷺ أنّ المتخلِّص من مقامات الإنكار الثّلاثة ليس معه من الإيمان حبّةُ خَردلٍ١.
وبالغ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر٢ أشدَّ المبالغة، حتّى قال: «إنّ النّاس إذا تركوه: أوشَكَ أن يَعُمَّهم الله بعقابٍ من عندِه»٣.
وأخبر أن تركَه يمنع إجابةَ دعاء الأخيار، ويُوجب تسلُّطَ الأشرار٤.
وأخبر أنّ ترْكَه يُوقِع المخالفةَ بين القلوب والوجوه، ويُحِلُّ لعنةَ الله، كما لَعنَ بني إسرائيل على تركه٥.
(١) كما في حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم (٥٠).
(٢) «عن المنكر» ليست في ش.
(٣) أخرجه أحمد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥) وغيرهم من حديث أبي بكر الصديق ﵁. وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٣٠٤).
(٤) رواه أحمد (٢٣٣١٢)، وابن أبي شيبة (١٥/ ٤٤ - ٤٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٧٩) من حديث أبي الرقاد عن حذيفة بن اليمان موقوفًا بلفظ «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر ولتحاضُّنَّ على الخير، أو ليُسْحِتنَّكم الله جميعًا بعذاب، أو ليُؤمَّرن عليكم شرارُكم، ثم يَدعُو خيارُكم فلا يُستجاب لكم». وأبو الرقاد العبسي مجهول. ورواه أحمد (٢٣٣٠١)، والترمذي (٢١٦٩)، والبيهقي (١٠/ ٩٣) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي عن حذيفة مرفوعًا بنحوه. وحسَّنه الترمذي.
(٥) رواه أحمد (٣٧١٣)، وأبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧، ٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦) من طرقٍ عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود.
فكيف يكون الإنكار من رُعونات النُّفوس، وهو مقصود الشّريعة؟ وهل الجهاد إلّا أعلى أنواع الإنكار، وهو إنكارٌ١ باليد، وجهاد أهل العلم إنكارٌ باللِّسان.
وأمّا قوله: «إنّ المشاهد يعلم أنّ مرادَ الله من الخلائق ما هُم عليه».
فيقال له: الرّبُّ تعالى له مرادان: كونيٌّ ودينيٌّ، فهَبْ أنّ مراده الكونيّ منهم ما هم عليه، فمراده الدِّينيُّ الأمريُّ الشّرعيُّ هو الإنكار على أصحاب المراد الكونيِّ. فإذا عطَّلتَ مراده الدِّينيّ لم تكن واقفًا مع مراده الذي يحبُّه ويرضاه، ولا ينفعك وقوفك مع مراده الذي قدّره وقضاه، إذ لو نفعَ ذلك لم يكن للشّرائع معنًى البتّة، ولا للحدود والزّواجر، ولا للعقوبات الدُّنيويّة، ولا للأخذ على يد٢ الظَّلَمة والفُجَّار، وكفِّ عدوانهم وفجورهم. فإنّ العارف عندك شهد أنّ مراد الله منهم هو ذلك، وفي هذا فسادُ الدُّنيا قبل الأديان.
فهذا المذهب الخبيث لا يصلُح عليه دنيا ولا دينٌ، ولكنّه رعونةُ نفسٍ قد أخلدتْ إلى الإلحاد، وكفرتْ بدين ربِّ العباد، واتّخذتْ تعطيلَ الشّرائع مقامًا٣، ووساوسَ الشياطين مسامرةً وإلهامًا، وجعلتْ أقدارَ الرّبِّ تعالى مُبطِلةً لما بعثَ به رسلَه، وأنزلَ به كتبه. وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الإلهيّة، وأشرفَ المقامات العليّة، ودَعَوا إلى ذلك النُّفوس المبطلة الجاهلة بالله ودينه، فلَبَّوا دعوتَهم مسرِعين، واستخفَّ الدّاعي منهم قومَه