مدارج السالكين

فأطاعوه١، إنّهم كانوا قومًا فاسقين.

وأمّا قوله: (إنّ الإنكار من معارضاتِ النُّفوس المحجوبة).

فلعَمُر اللهِ إنّهم في حجابٍ منيعٍ عن هذا الكفر والإلحاد، ولكنّهم يُشرِفون على أهله وهم في ضلالتهم يَعْمَهون، وفي كفرهم يتردَّدون، ولأتباع الرُّسل يُحاربون، وإلى خلاف طريقتهم٢ يدْعُون، وبغيرِ هَدْيهم٣ يهتدون، وعن صراطهم المستقيم ناكبون، ولما جاؤوا به معارضون، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ ١٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ١٣ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ١٤ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٥ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ٩ - ١٦].

فصل

قوله: (وتفيد مطالعة البدايات) يحتمل كلامه أمرين:

  1. (١) ش: «فاطلعوه»، تصحيف. ونظر المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤].
  2. (٢) ر: «طريقهم».
  3. (٣) ر: «هداهم».
540

أحدهما: أنّ ملاحظة عينِ الجمع يُفيد صاحبَه مطالعةَ السّوابق التي ابتدأه الله بها، فيفيده ملاحظةُ عينِ الجمع نظرةً إلى أوّليّة الرّبِّ تعالى في كلِّ شيءٍ.

ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه، وحدّة طلبه. فإنّه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه، لشدّة شغله بما بين يديه، وغلبةِ أحكام الهمّة عليه، فلا يتفرّغ لمطالعة بداياته. فإذا لاحظ عينَ الجمع قطعَ السُّلوك الأوّل، وبقي له سلوكٌ ثانٍ. فتفرّغَ١ حينئذٍ إلى مطالعة بداياته، ووجدَ اشتياقًا إليها.

كما قال الجنيد ﵀: واشوقًا إلى أوقات البداية٢. يعني لذّة أوقات البداية، وجمع الهمّة على الطّلب، والسّير إلى الله. فإنّه كان مجموعَ الهمّة على السّير والطّلب، فلمّا لاحظ عين الجمع فنيتْ رسومه، وهو لا يمكنه الفناء عن بشريّته وأحكام طبيعته. فتقاضَتْه طباعُه ما فيها، فلزِمتْه الكُلَف، فارتاح إلى أوقات البدايات، لِما كان فيها من لذّة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمّة.

ومرّ أبو بكرٍ ﵁ على رجلٍ وهو يبكي من خشية الله، فقال: هكذا كنّا حتّى قَسَتْ قلوبنا٣.

وقد أخبر النّبيُّ ﷺ أنّ لكلِّ عاملٍ شِرّةً، ولكلِّ شِرّةٍ فَتْرة٤.

  1. (١) ت: «فيفزع».
  2. (٢) «شرح التلمساني» (ص ٤٥٣)، و«شرح القاساني» (ص ٤٥١).
  3. (٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٦٧٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣٤). وذكره الغزالي في «الإحياء» (٢/ ٢٩٩، ٣٠٣)، وابن الجوزي في «آداب الحسن البصري» (ص ٩٥).
  4. (٤) أخرجه أحمد (٦٤٧٧، ٦٧٦٤)، وابن خزيمة (٢١٠٥)، وابن حبان (١١)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٢٣٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه الترمذي (٢٤٥٣)، وابن حبان (٣٤٩)، والطحاوي في «المشكل» (١٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي