مدارج السالكين

أحدهما: أنّ ملاحظة عينِ الجمع يُفيد صاحبَه مطالعةَ السّوابق التي ابتدأه الله بها، فيفيده ملاحظةُ عينِ الجمع نظرةً إلى أوّليّة الرّبِّ تعالى في كلِّ شيءٍ.

ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه، وحدّة طلبه. فإنّه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه، لشدّة شغله بما بين يديه، وغلبةِ أحكام الهمّة عليه، فلا يتفرّغ لمطالعة بداياته. فإذا لاحظ عينَ الجمع قطعَ السُّلوك الأوّل، وبقي له سلوكٌ ثانٍ. فتفرّغَ١ حينئذٍ إلى مطالعة بداياته، ووجدَ اشتياقًا إليها.

كما قال الجنيد ﵀: واشوقًا إلى أوقات البداية٢. يعني لذّة أوقات البداية، وجمع الهمّة على الطّلب، والسّير إلى الله. فإنّه كان مجموعَ الهمّة على السّير والطّلب، فلمّا لاحظ عين الجمع فنيتْ رسومه، وهو لا يمكنه الفناء عن بشريّته وأحكام طبيعته. فتقاضَتْه طباعُه ما فيها، فلزِمتْه الكُلَف، فارتاح إلى أوقات البدايات، لِما كان فيها من لذّة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمّة.

ومرّ أبو بكرٍ ﵁ على رجلٍ وهو يبكي من خشية الله، فقال: هكذا كنّا حتّى قَسَتْ قلوبنا٣.

وقد أخبر النّبيُّ ﷺ أنّ لكلِّ عاملٍ شِرّةً، ولكلِّ شِرّةٍ فَتْرة٤.

  1. (١) ت: «فيفزع».
  2. (٢) «شرح التلمساني» (ص ٤٥٣)، و«شرح القاساني» (ص ٤٥١).
  3. (٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٦٧٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣٤). وذكره الغزالي في «الإحياء» (٢/ ٢٩٩، ٣٠٣)، وابن الجوزي في «آداب الحسن البصري» (ص ٩٥).
  4. (٤) أخرجه أحمد (٦٤٧٧، ٦٧٦٤)، وابن خزيمة (٢١٠٥)، وابن حبان (١١)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٢٣٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه الترمذي (٢٤٥٣)، وابن حبان (٣٤٩)، والطحاوي في «المشكل» (١٢٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
541

فالطّالب الجادُّ لا بدّ أن تَعرِض له فترةٌ، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقتَ الطّلب والاجتهاد.

ولمّا فَتر الوحيُ عن النّبيِّ ﷺ كان يغدو إلى شَواهقِ الجبال ليُلقِي نفسَه، فيتبدَّى له جبريل فيقول له: إنّك رسول الله. فيسكُن لذلك جَأْشُه، وتطمئنُّ نفسه١.

فتخلُّلُ الفترات للسّالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه. فمن كانت فترتُه إلى مقاربةٍ وتسديدٍ، ولم تُخرِجه من فرضٍ، ولم تُدخِله في محرّمٍ= رُجِيَ له أن يعود خيرًا ممّا كان.

قال عمر بن الخطّاب: إنّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلتْ فخذوها بالنّوافل، وإذا٢ أدبرتْ فأَلزِموها الفرائضَ٣.

وفي هذه الفترات والغُيوم والحُجُب التي تَعرِض للسّالكين من الحِكم ما لا يعلم تفصيله إلّا الله، وبها يتبيّن الصّادق من الكاذب.

فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه.

  1. (١) رواه البخاري (٦٩٨٢) ضمن حديث عائشة ﵂، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، كما بينه الحافظ في «الفتح» (١٢/ ٣٥٩).
  2. (٢) ر: «وإن».
  3. (٣) لم أجده عن عمر، وروي نحوه عن ابن مسعود في «الزهد» لابن المبارك (١٣٣١)، و«حلية الأولياء» (١/ ١٣٤)، و«الجامع» للخطيب (١/ ٣٣١).
542

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي