وقد جعل صاحبُ المنازل الإلهامَ هو مقام المحدَّثين.
قال١: (وهو فوق الفراسة، لأنّ الفراسة ربَّما وقعت نادرةً٢، واستصعبت على صاحبها وقتًا، أو استعصت٣ عليه. والإلهام لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ).
قلت: التّحديثُ أخصُّ من الإلهام، فإنَّ الإلهامَ عامٌّ للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكلُّ مؤمنٍ فقد ألهمه الله رشدَه الذي حصل له به الإيمان. وأمَّا٤ التّحديث فالنّبيُّ ﷺ قال فيه: "إن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعُمَر"٥، يعني من
(١) في باب الإلهام (ص ٦٦).
(٢) في الأصل: "زيادة" وهو سهو من الناسخ بلا شك وفات تصحيحه عند القراءة على المؤلف! وكذا في م، وأصلح في ل. وستأتي الكلمة على الصواب في الشرح.
(٣) كذا في "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦١) وفي "المنازل": "أو استصعبت ... واستعصت"، وهو أشبه بالسياق، ويؤيده كلام المؤلف في تفسيره فيما يأتي. ومثله في شرح التلمساني.
(٤) ع: "فأما".
(٥) سبق تخريجه قريبًا (ص ٦١).
المحدَّثين. فالتّحديث إلهامٌ خاصٌّ، وهو الوحيُ إلى غير الأنبياء ﵈ إمَّا من المكلَّفين كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[القصص: ٧] وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾[المائدة: ١١١]، وإمّا من غير المكلَّفين كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾[النحل: ٦٨]. فهذا كلُّه وحيُ إلهامٍ.
وأمّا جعلُه فوق مقام الفراسة فقد احتجَّ عليه بأنَّ الفراسة ربّما وقعت نادرةً كما تقدَّم، والنّادر لا حكم له؛ وربَّما استصعبت على صاحبها واستعصت١ عليه فلم تطاوعه؛ والإلهامُ لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ، يعني في مقام القرب والحضور.
والتّحقيق في هذا أنّ كلّ واحدٍ من "الفراسة" و"الإلهام" ينقسم إلى عامٍّ وخاصٍّ، وخاصُّ كلِّ واحدٍ منهما فوق عامِّ الآخر، وعامُّ كلِّ واحدٍ قد يقع كثيرًا، وخاصُّه قد يقع نادرًا. ولكنّ الفرق الصّحيح: أنّ الفراسة قد تتعلَّق بنوع كسبٍ وتحصيلٍ، وأمّا الإلهام فموهبةٌ مجرَّدةٌ لا تُنال بكسبٍ البتّة.
فصل
قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: نبأٌ يقع وحيًا قاطعًا مقرونٌ٣ بسماعٍ، أو مطلقًا).
(١) ع: "استعصت ... واستصعبت".
(٢) في "المنازل" (ص ٦٦).
(٣) وضع بعضهم في الأصل فوق النون تنوينًا، وكذلك زاد في ل بعد النون ألفًا، ليقرأ "مقرونًا" كما في مطبوعة "المنازل". وفي "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦٢) بالرفع كما جاء في النسخ، وعنه ينقل المؤلف متن "المنازل".