مدارج السالكين

فالطّالب الجادُّ لا بدّ أن تَعرِض له فترةٌ، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقتَ الطّلب والاجتهاد.

ولمّا فَتر الوحيُ عن النّبيِّ ﷺ كان يغدو إلى شَواهقِ الجبال ليُلقِي نفسَه، فيتبدَّى له جبريل فيقول له: إنّك رسول الله. فيسكُن لذلك جَأْشُه، وتطمئنُّ نفسه١.

فتخلُّلُ الفترات للسّالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه. فمن كانت فترتُه إلى مقاربةٍ وتسديدٍ، ولم تُخرِجه من فرضٍ، ولم تُدخِله في محرّمٍ= رُجِيَ له أن يعود خيرًا ممّا كان.

قال عمر بن الخطّاب: إنّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلتْ فخذوها بالنّوافل، وإذا٢ أدبرتْ فأَلزِموها الفرائضَ٣.

وفي هذه الفترات والغُيوم والحُجُب التي تَعرِض للسّالكين من الحِكم ما لا يعلم تفصيله إلّا الله، وبها يتبيّن الصّادق من الكاذب.

فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه.

  1. (١) رواه البخاري (٦٩٨٢) ضمن حديث عائشة ﵂، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، كما بينه الحافظ في «الفتح» (١٢/ ٣٥٩).
  2. (٢) ر: «وإن».
  3. (٣) لم أجده عن عمر، وروي نحوه عن ابن مسعود في «الزهد» لابن المبارك (١٣٣١)، و«حلية الأولياء» (١/ ١٣٤)، و«الجامع» للخطيب (١/ ٣٣١).
542

والصّادق ينتظر الفرج، ولا ييأس من رَوْح الله، فيُلْقي نفسَه في الباب١ طَريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتّةَ، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلُح له، لا بسببٍ من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك، بل هو الذي منَّ عليك به، وجرَّدك منك. وأخلاك عنك.

فإذا رأيتَه قد أقامك في هذا المقام، فاعلم أنّه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعتَ القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنّه قلبٌ مُضَيَّعٌ، فسَلْ ربّه ومَن هو بين أصابعه أن يردَّه عليك، ويجمعَ شَمْلَك به. ولقد أحسن القائل٢:

إذا ما وضعتَ القلبَ في غيرِ موضعٍبغير إناءٍ فهو قَلْبٌ مضيَّعُ
  1. (١) ر: «بالباب».
  2. (٢) أنشده شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣١٦) وشرَحَه.
543

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي