والصّادق ينتظر الفرج، ولا ييأس من رَوْح الله، فيُلْقي نفسَه في الباب١ طَريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتّةَ، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلُح له، لا بسببٍ من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك، بل هو الذي منَّ عليك به، وجرَّدك منك. وأخلاك عنك.
فإذا رأيتَه قد أقامك في هذا المقام، فاعلم أنّه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعتَ القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنّه قلبٌ مُضَيَّعٌ، فسَلْ ربّه ومَن هو بين أصابعه أن يردَّه عليك، ويجمعَ شَمْلَك به. ولقد أحسن القائل٢:
إذا ما وضعتَ القلبَ في غيرِ موضعٍبغير إناءٍ فهو قَلْبٌ مضيَّعُ
✽ ✽ ✽
(١) ر: «بالباب».
(٢) أنشده شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣١٦) وشرَحَه.
فصل
ومنها الوقت.
قال صاحب «المنازل»١: (باب الوقت. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾[طه: ٤٠]. الوقت اسمٌ لظرف الكون، وهو اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ على ثلاث درجاتٍ. المعنى الأوّل: حينُ وجدٍ صادقٍ٢، لإيناسِ ضياءِ فضلٍ جذَبَه صفاءُ رجاءٍ، أو لعصمةٍ٣ جذَبها صدقُ خوفٍ، أو لتلهُّبِ شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ).
وجه استشهاده بالآية: أنّ الله سبحانه قدَّر مجيء موسى أحوجَ ما كان الوقت إليه، فإنّ العرب تقول: جاء فلانٌ على قَدَرٍ، إذا جاء وقتَ الحاجة إليه. قال جريرٌ٤:
نال الخلافةَ أو كانت على قَدَرٍكما أتى ربَّه موسى على قَدَر
وقال مجاهدٌ: على موعدٍ٥. وهذا فيه نظرٌ، لأنّه لم يَسبِق بين الله سبحانه وبين موسى موعدٌ للمجيء حتّى يقال: إنّه أتى على ذلك الموعد. ولكنّ وجهَ هذا أنّ المعنى: جئتَ على الموعد الذي وعدناه٦ أن نُنجِزه،
(١) (ص ٨٢).
(٢) «صادق» ليست في ش.
(٣) في «المنازل»: «لقصمة». والمثبت كما في «شرح التلمساني» (ص ٤٥٦).
(٤) «ديوانه» (ص ٤١٦).
(٥) رواه ابن أبي حاتم وغيره كما في «الدر المنثور» (١٠/ ٢٠٧).