مدارج السالكين

فصل

ومنها الوقت.

قال صاحب «المنازل»١: (باب الوقت. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]. الوقت اسمٌ لظرف الكون، وهو اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ على ثلاث درجاتٍ. المعنى الأوّل: حينُ وجدٍ صادقٍ٢، لإيناسِ ضياءِ فضلٍ جذَبَه صفاءُ رجاءٍ، أو لعصمةٍ٣ جذَبها صدقُ خوفٍ، أو لتلهُّبِ شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ).

وجه استشهاده بالآية: أنّ الله سبحانه قدَّر مجيء موسى أحوجَ ما كان الوقت إليه، فإنّ العرب تقول: جاء فلانٌ على قَدَرٍ، إذا جاء وقتَ الحاجة إليه. قال جريرٌ٤:

نال الخلافةَ أو كانت على قَدَرٍكما أتى ربَّه موسى على قَدَر

وقال مجاهدٌ: على موعدٍ٥. وهذا فيه نظرٌ، لأنّه لم يَسبِق بين الله سبحانه وبين موسى موعدٌ للمجيء حتّى يقال: إنّه أتى على ذلك الموعد. ولكنّ وجهَ هذا أنّ المعنى: جئتَ على الموعد الذي وعدناه٦ أن نُنجِزه،

  1. (١) (ص ٨٢).
  2. (٢) «صادق» ليست في ش.
  3. (٣) في «المنازل»: «لقصمة». والمثبت كما في «شرح التلمساني» (ص ٤٥٦).
  4. (٤) «ديوانه» (ص ٤١٦).
  5. (٥) رواه ابن أبي حاتم وغيره كما في «الدر المنثور» (١٠/ ٢٠٧).
  6. (٦) ت: «وعدناك».
544

والقَدَر الذي قدّرنا أن يكون في وقته. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]. لأنّ الله سبحانه وعد بإرسال نبيٍّ في آخر الزّمان يملأ الأرض نورًا وهدًى، فلمّا سمعوا القرآن علموا أنّ الله أنجزَ ذلك الوعد الذي وعد به.

واستشهاده بهذه الآية يدلُّ على محلِّه من العلم، لأنّ الشّيء إذا وقع في وقته الذي هو أليقُ الأوقات بوقوعه فيه كان أحسنَ وأنفعَ وأجدى١، كما إذا وقع الغيثُ في أحوجِ الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفَرَجُ في وقته الذي يليق به.

ومن تأمّلَ أقدار الرّبِّ تعالى وجَرَيانَها في الخلق علِمَ أنّها واقعةٌ في أليق الأوقات بها. فبعث الله سبحانه موسى أحوجَ ما كان النّاس إلى بعثته، وبعث عيسى كذلك، وبعث محمّدًا ﷺ أحوجَ ما كان أهل الأرض إلى إرساله، فهكذا وقت العبد مع الله يَعمُره بأنفع الأشياء له أحوجَ ما كان إلى عمارته.

قوله: (الوقت: ظرف الكون)، الوقت: عبارةٌ عن مقاربة٢ حادثٍ لحادثٍ٣ عند المتكلِّمين، فهو نسبةٌ بين حادثينِ٤. فقوله: (ظرف الكون) أي وعاء التّكوين، فهو الوعاء الزّمانيُّ الذي يقع فيه التّكوين، كما أنّ ظرف المكان هو الوعاء المكانيُّ الذي يحصل فيه الجسم.

  1. (١) ت: «وأجدر».
  2. (٢) ر، ت: «مقارنة».
  3. (٣) ت: «جاذب لجاذب».
  4. (٤) ت: «جاذبين».
545

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي