مدارج السالكين

قلت: يا لهما من١ كلمتين ما أنفعَهما وأجمعَهما! وأدلَّهما على علوِّ همّة قائلهما ويقظته! ويكفي هذا ثناءً من الشّافعيِّ على طائفةٍ هذا قدْرُ كلماتهم.

وقد يريدون بالوقت ما هو أخصُّ من هذا كلِّه، وهو ما يصادفهم من٢ تصريف الحقِّ لهم دونَ ما يختارونه لأنفسهم فيقولون: فلانٌ بحكم الوقت، أي مستسلمٌ لما يأتي من عند الله من غير اختيارٍ.

وهذا يحسُن في حالٍ، ويحرُم في حالٍ، وينقُص صاحبَه في حالٍ:

فيحسُن في كلِّ موضعٍ ليس لله فيه على العبد أمرٌ ولا نهيٌ، بل في موضع جريان الحكم الكونيِّ الذي لا يتعلّق به أمرٌ ولا نهيٌ، كالفقر والمرض، والغربة والجوع، والألم والحرِّ والبرد، ونحو ذلك.

ويحرم٣ في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنّهي والقيام بحقوق الشّرع، فإنّ التّضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخٌ من الدِّين بالكلِّيّة.

وينقُص صاحبَه في حالٍ يقتضي قيامَه بالنّوافل وأنواعِ البرِّ والطّاعة.

وإذا أراد الله بالعبد خيرًا أعانَه بالوقت، وجعل وقتَه مساعدًا له. وإذا أراد به شرًّا جعلَ وقتَه عليه، فكلّما أراد التّأهُّبَ للمسير لم يساعده الوقت، والأوّل كلّما همَّتْ نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده.

  1. (١) «من» ليست في النسخ.
  2. (٢) ر: «في».
  3. (٣) ش، د: «ومحرم».
547

وقد قسّم بعضهم١ الصُّوفيّة أربعة أقسامٍ: أصحاب السّوابق، وأصحاب العواقب، وأصحاب الوقت، وأصحاب الحقِّ. قال:

فأمّا أصحاب السّوابق: فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله سبحانه، لعلمهم أنّ الحكم الأزليّ لا يتغيّر باكتساب العبد. ويقولون: من أقْصَتْه السّوابقُ لم تُدْنِه الوسائل. ففكرهم٢ في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم مُجِدُّون في القيام بالأوامر، واجتناب النّواهي، والتّقرُّب إلى الله بأنواع القرب، غير واثقين بها، ولا ملتفتين إليها. يقول قائلهم٣:

من أين أُرضِيكَ إلّا أن تُوفِّقنيهيهاتَ هيهاتَ ما التّوفيقُ من قِبَلِي
إن لم يكن ليَ في المقدور سابقةٌفليس ينفعُ ما قدَّمتُ من عملي

وأمّا أصحاب العواقب: فهم مفكّرون٤ فيما يُختَم به أمرهم، فإنّ الأمور بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورةٌ، كما قيل: لا يَغُرّنَّك صَفاءُ الأوقات، فإنّ تحتها غوامضَ الآفات٥. فكم من ربيعٍ نوَّرتْ أشجاره، وظهرتْ أزهاره، وزَهَتْ ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحةٌ سماويّةٌ، فصار كما قال الله ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا

  1. (١) لم أعرف مَن هو.
  2. (٢) ت: «فقلوبهم».
  3. (٣) البيت الأول منهما ضمن أبيات في «التكملة» لابن الأبار (٣/ ١٨٤، ١٨٥)، ونُسبت لابن عصام وليست له.
  4. (٤) ر: «متفكرون».
  5. (٥) قاله أبو الحسن الحصري الصوفي، كما في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٤٠)، و«تاريخ الإسلام» (٨/ ٣٦٢)، و«طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ٢١٣).
548

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي