مدارج السالكين

وقد قسّم بعضهم١ الصُّوفيّة أربعة أقسامٍ: أصحاب السّوابق، وأصحاب العواقب، وأصحاب الوقت، وأصحاب الحقِّ. قال:

فأمّا أصحاب السّوابق: فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله سبحانه، لعلمهم أنّ الحكم الأزليّ لا يتغيّر باكتساب العبد. ويقولون: من أقْصَتْه السّوابقُ لم تُدْنِه الوسائل. ففكرهم٢ في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم مُجِدُّون في القيام بالأوامر، واجتناب النّواهي، والتّقرُّب إلى الله بأنواع القرب، غير واثقين بها، ولا ملتفتين إليها. يقول قائلهم٣:

من أين أُرضِيكَ إلّا أن تُوفِّقنيهيهاتَ هيهاتَ ما التّوفيقُ من قِبَلِي
إن لم يكن ليَ في المقدور سابقةٌفليس ينفعُ ما قدَّمتُ من عملي

وأمّا أصحاب العواقب: فهم مفكّرون٤ فيما يُختَم به أمرهم، فإنّ الأمور بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورةٌ، كما قيل: لا يَغُرّنَّك صَفاءُ الأوقات، فإنّ تحتها غوامضَ الآفات٥. فكم من ربيعٍ نوَّرتْ أشجاره، وظهرتْ أزهاره، وزَهَتْ ثماره، لم يلبث أن أصابته جائحةٌ سماويّةٌ، فصار كما قال الله ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا

  1. (١) لم أعرف مَن هو.
  2. (٢) ت: «فقلوبهم».
  3. (٣) البيت الأول منهما ضمن أبيات في «التكملة» لابن الأبار (٣/ ١٨٤، ١٨٥)، ونُسبت لابن عصام وليست له.
  4. (٤) ر: «متفكرون».
  5. (٥) قاله أبو الحسن الحصري الصوفي، كما في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٤٠)، و«تاريخ الإسلام» (٨/ ٣٦٢)، و«طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ٢١٣).
548

أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ [يونس: ٢٤]. فكم من مريدٍ كَبَا به جوادُ عَزْمِه.

فخرَّ صَرِيعًا لليدينِ وللفمِ١

وقيل لبعضهم وقد شُوهِد منه خلاف ما كان يُعهد عليه: ما الذي أصابك؟ فقال: حجابٌ وقع، وأنشد٢:

أحسنتَ ظنَّك بالأيّام إذ حَسُنَتْولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ
وسالَمتْك اللّيالي فاغتررتَ بهاوعند صفوِ اللّيالي يحدُث الكَدَرُ

ليس العجب ممّن هلك كيف هلك؟ إنّما العجب ممّن نجا كيف نجا؟

تَعجَبين من سَقَميصحّتي هي العجبُ٣

النّاكصون على أعقابهم أضعافُ أضعافِ من اقتحم العقبة:

خذْ من الألفِ٤ واحدًاواطْرَحِ الكلَّ بعدَه٥
  1. (١) شطر بيتٍ لجابر بن حُنَيّ التغلبي في «المفضليات» (ص ٢١٢)، وبيتٍ آخر لحرب بن مسعر في «الأشباه والنظائر» للخالديين (١/ ٦)، وبيت آخر اختُلف في قائله، انظر: «فصل المقال» للبكري (ص ٣١٣).
  2. (٢) نُسِبا للشافعي في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٠١)، ولسعيد بن حميد في «الزهرة» (٢/ ٣٣٥) وهما بلا نسبة في «الأوراق» (أخبار الراضي) (ص ٨٢)، و«الرسالة القشيرية» (ص ٣٥٥)، و«الزهد الكبير» للبيهقي (ص ٢٥٥)، و«إحياء علوم الدين» (٤/ ١٧٦).
  3. (٣) البيت لأبي نواس في «ديوانه» (ص ٢٢٧)، وهو من أبيات قالها وهو صبي. انظر: «معاهد التنصيص» (١/ ٨٤).
  4. (٤) ش: «ألف».
  5. (٥) ش، د: «من بعده». وعلى هذا فلا يكون شعرًا. ولم أجده في المصادر التي رجعت إليها.
549

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي