مدارج السالكين

وأمّا أصحاب الوقت: فلم يشتغلوا بالفكر في السوابق ولا في العواقب، بل اشتغلوا بمراعاة الوقت وما يلزمهم من أحكامه، وقالوا: العارفُ ابنُ وقته، والفقير لا ماضٍ له ولا مستقبل١.

ورأى بعضهم الصِّدِّيق في منامه، فقال له: أَوصِني، فقال: كن ابنَ وقتِك٢.

وأمّا أصحاب الحقِّ: فهم مع صاحب الوقت والزّمان ومالِكهما ومدبِّرِهما، مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات، لا يتفرّغون لمراعاة وقتٍ وزمانٍ. كما قيل٣:

لستُ أدريْ أطالَ ليليَ أم لاكيف يدري بذاك مَن يتقلَّى
لو تفرّغتُ لاستطالةِ ليلِيْولرَعْيِ النُّجوم كنتُ مُخلَّى
إنَّ للعاشقين عن قِصَر اللّيـلِ وعن طُولِه من العشق شُغْلَا

قال الجنيد: دخلت على السَّريِّ يومًا، فقلت: كيف أصبحتَ؟ فأنشأ يقول:

  1. (١) انظر: «الرسالة القشيرية» (ص ٢٣٢).
  2. (٢) لم أجده.
  3. (٣) الأبيات لخالد الكاتب في «ديوانه» (ص ٥٢٥)، و«ديوان المعاني» (١/ ٣٥٠)، و«المقابسات» (ص ٢٩٨). ونُسِبت خطأ لأبي نواس في «العمدة» (٢/ ٢٤٣)، ولابن المعتز في «المدهش» (ص ٢٢٢)، ولأبي هلال في «معجم الأدباء» (٢/ ٩٢٠). وهي بلا نسبة في «الموشى» (ص ٢٢٦)، و«طبقات الصوفية» للسلمي (ص ٣٥٠)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٤٦٣) وغيرها.
550
ما في النّهار ولا في اللّيلِ لي فَرَجٌفلا أبالي أطالَ اللّيلُ أم قَصُرَا١

ثمّ قال: ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ.

يشير إلى أنّه غير متطلِّعٍ إلى الأوقات، بل هو مع الذي يُقدِّر اللّيل والنّهار.

فصل

قال صاحب «المنازل»٢: (الوقت: اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ. المعنى الأوّل: حِينُ وجدٍ صادقٍ). أي وقتُ وجدٍ صادقٍ، أي زمنُ وجدٍ يقوم بقلبه، وهو صادقٌ فيه٣، غير متكلِّفٍ له، ولا متعمِّلٍ في تحصيله.

يكون متعلّقه (إيناسُ ضياءِ فضلٍ) أي رؤية ذلك، والإيناس الرُّؤية. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي﴾ [القصص: ٢٩]. وليس هو مجرّد الرُّؤية، بل رؤية ما يأنَسُ به القلب ويسكُن إليه. ولا يقال لمن رأى عدوّه أو مخوفًا: آنسَه.

ومقصوده: أنّ هذا الوقت وقتُ وجدٍ، صاحبه صادقٌ فيه لرؤية ضياءِ فضلِ الله ومنِّه عليه. والفضل هو العطاء الذي لا يستحقُّه المعطى، أو يُعطى فوق استحقاقه، فإذا آنسَ هذا الفضل وطالَعه بقلبه أثارَ ذلك فيه وجدًا آخر،

  1. (١) البيت مع آخر في «طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ١٦٣)، و«الطبقات الكبرى» للشعراني (١/ ٧٥). ولم أجد الخبر في مصدر آخر.
  2. (٢) (ص ٨٢).
  3. (٣) ش، د: «وفيه».
551

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي