ما في النّهار ولا في اللّيلِ لي فَرَجٌفلا أبالي أطالَ اللّيلُ أم قَصُرَا١
ثمّ قال: ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ.
يشير إلى أنّه غير متطلِّعٍ إلى الأوقات، بل هو مع الذي يُقدِّر اللّيل والنّهار.
فصل
قال صاحب «المنازل»٢: (الوقت: اسمٌ في هذا الباب لثلاث معانٍ. المعنى الأوّل: حِينُ وجدٍ صادقٍ). أي وقتُ وجدٍ صادقٍ، أي زمنُ وجدٍ يقوم بقلبه، وهو صادقٌ فيه٣، غير متكلِّفٍ له، ولا متعمِّلٍ في تحصيله.
يكون متعلّقه (إيناسُ ضياءِ فضلٍ) أي رؤية ذلك، والإيناس الرُّؤية. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي﴾[القصص: ٢٩]. وليس هو مجرّد الرُّؤية، بل رؤية ما يأنَسُ به القلب ويسكُن إليه. ولا يقال لمن رأى عدوّه أو مخوفًا: آنسَه.
ومقصوده: أنّ هذا الوقت وقتُ وجدٍ، صاحبه صادقٌ فيه لرؤية ضياءِ فضلِ الله ومنِّه عليه. والفضل هو العطاء الذي لا يستحقُّه المعطى، أو يُعطى فوق استحقاقه، فإذا آنسَ هذا الفضل وطالَعه بقلبه أثارَ ذلك فيه وجدًا آخر،
(١) البيت مع آخر في «طبقات الأولياء» لابن الملقن (ص ١٦٣)، و«الطبقات الكبرى» للشعراني (١/ ٧٥). ولم أجد الخبر في مصدر آخر.
(٢) (ص ٨٢).
(٣) ش، د: «وفيه».
باعثًا على محبّة صاحب الفضل والشّوق إلى لقائه، فإنّ النُّفوس مجبولةٌ على حبِّ من أحسنَ إليها.
ودخلتُ يومًا على بعض أصحابنا وقد حصلَ له وجدٌ أبكاه، فسألتُه عنه؟ فقال: ذكرتُ ما منَّ الله به عليّ من السُّنّة ومعرفتها، والتّخلُّص من شُبَه القوم وقواعدهم الباطلة، وموافقة العقل الصّريح والفطرة السّليمة لما جاء به الرّسول. فسرَّني ذلك حتّى أبكاني.
فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنّه.
قوله: (جذَبَه صفاءُ رجاءٍ)، أي جذب ذلك الوجدَ ــ أو الإيناسَ، أو الفضلَ ــ رجاءٌ صافٍ غيرُ مكدَّرٍ. والرّجاء الصّافي هو الذي لا يشوبُه كدَرٌ يُوهِم معاوضةً منك، وأنّ عملك هو الذي بعثَك على الرّجاء. فصفاء الرّجاء يُخلِّصُه١ من ذلك، بل يكون رجاءً محضًا لمن هو مبتدئٌ بالنِّعم من غير استحقاق. والفضل كلُّه له ومنه، وفي يده أسبابه وغاياته، ووسائله وشروطه، وصرفُ موانعِه، كلٌّ بيد الله، لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئًا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته.
وملخَّص٢ ذلك: أنّ الوقت في هذه الدّرجة الأولى: عبارةٌ عن وجدٍ صادقٍ، سببُه رؤية فضل الله على عبده، لأنّ رجاءه كان صافيًا من الأكدار.
قوله: (أو لعصمةٍ جذَبَها صدقُ خوفٍ)، اللّام في قوله «أو لعصمةٍ» معطوفة على اللّام في قوله: «لإيناسِ ضياءِ فضلٍ»، أي وجدٍ لعصمةٍ جذَبَها