مدارج السالكين

باعثًا على محبّة صاحب الفضل والشّوق إلى لقائه، فإنّ النُّفوس مجبولةٌ على حبِّ من أحسنَ إليها.

ودخلتُ يومًا على بعض أصحابنا وقد حصلَ له وجدٌ أبكاه، فسألتُه عنه؟ فقال: ذكرتُ ما منَّ الله به عليّ من السُّنّة ومعرفتها، والتّخلُّص من شُبَه القوم وقواعدهم الباطلة، وموافقة العقل الصّريح والفطرة السّليمة لما جاء به الرّسول. فسرَّني ذلك حتّى أبكاني.

فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنّه.

قوله: (جذَبَه صفاءُ رجاءٍ)، أي جذب ذلك الوجدَ ــ أو الإيناسَ، أو الفضلَ ــ رجاءٌ صافٍ غيرُ مكدَّرٍ. والرّجاء الصّافي هو الذي لا يشوبُه كدَرٌ يُوهِم معاوضةً منك، وأنّ عملك هو الذي بعثَك على الرّجاء. فصفاء الرّجاء يُخلِّصُه١ من ذلك، بل يكون رجاءً محضًا لمن هو مبتدئٌ بالنِّعم من غير استحقاق. والفضل كلُّه له ومنه، وفي يده أسبابه وغاياته، ووسائله وشروطه، وصرفُ موانعِه، كلٌّ بيد الله، لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئًا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته.

وملخَّص٢ ذلك: أنّ الوقت في هذه الدّرجة الأولى: عبارةٌ عن وجدٍ صادقٍ، سببُه رؤية فضل الله على عبده، لأنّ رجاءه كان صافيًا من الأكدار.

قوله: (أو لعصمةٍ جذَبَها صدقُ خوفٍ)، اللّام في قوله «أو لعصمةٍ» معطوفة على اللّام في قوله: «لإيناسِ ضياءِ فضلٍ»، أي وجدٍ لعصمةٍ جذَبَها

  1. (١) ر: «يخرجه».
  2. (٢) ت: «وتلخيص». ر: «ويلخص».
552

صدق خوفٍ. فاللّام ليست للتّعليل، بل هي على حدِّها في قولك: ذوقٌ لكذا أو رؤيةٌ لكذا. فمتعلّق الوجدِ عصمةٌ، وهي منعةٌ وحفظُ ظاهرٍ وباطنٍ، جذَبَها صدق خوفٍ من الرّبِّ سبحانه.

والفرق بين الوجد في هذه الدّرجة والّتي قبلها: أنّ الوجد في الأولى جذَبه صدقُ الرّجاء، وفي الثّانية جذبَه صدقُ الخوف، وفي الثّالثة ــ التي تُذكر ــ جذَبه صدقُ الحبِّ. فهو معنى قوله: (أو لتلهُّب شوقٍ جذَبَه اشتعالُ محبّةٍ)، وخدَمتْه التّورية في اللهيب والاشتعال. والمحبّة متى قويتْ اشتعلت نارها في القلب، فحدَثَ عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب.

وهذه الثّلاثة التي تضمَّنتْها هذه الدّرجة ــ وهي الحبُّ والخوف والرّجاء ــ هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى بصاحبه والأنفع له، وهي أساس السُّلوك والمسيرِ١ إلى الله سبحانه. وقد جمع سبحانه الثّلاثة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وهذه الثّلاثة هي قطبُ رحى العبوديّة، وعليها دارتْ رَحى الأعمال.

فصل

قال٢: (والمعنى الثّاني: اسمٌ لطريقِ سالكٍ يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ، لكنّه إلى التّمكُّن ما هو. يسلك الحال، ويلتفت إلى العلم. فالعلم يشغله في حينٍ، والحال يحمله في حينٍ. فبلاؤه بينهما: يُذِيقه شهودًا طورًا، ويكسوه

  1. (١) ر: «والسير».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٨٢).
553

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي