مدارج السالكين

عِبْرةً١ طورًا، ويُرِيه غيرةَ تفرُّقٍ طورًا).

هذا المعنى هو المعنى الثّاني من المعاني الثّلاثة من معاني الوقت عنده.

قوله: (اسمٌ لطريقِ سالكٍ) هو على الإضافة. أي لطريق عبد سالكٍ.

قوله: (يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ)، أي ذلك العبد يسير بين تمكُّنٍ وتلوُّنٍ. والتّمكُّن: هو الانقياد إلى أحكام العبوديّة بالشُّهود والحال، والتّلوُّن في هذا الموضع خاصّةً: هو الانقياد إلى أحكام العبوديّة بالعلم. فإن الحال يجمعه بقوّته وسلطانه فيعطيه تمكينًا، والعلم يُلوِّنه بحسب متعلّقاته وأحكامه.

قوله: (لكنّه إلى التّمكُّن ما هو يسلك الحال، ويلتفت إلى العلم)، يعني: أنّ هذا العبد هو سالكٌ إلى التّمكُّن ما دام يسلك الحالَ ويلتفت إلى العلم، فأمّا إن سلك العلمَ والتفتَ إلى الحال لم يكن سالكًا إلى التّمكُّن.

فالسّالكون ضربان: سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم، وهم إلى التّمكُّن أقرب. وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال، وهم إلى التّلوُّن أقرب. هذا حاصل كلامه٢.

وهذه النكتة٣ هي المفرِّقة بين أهل العلم وأهل الحال، حتّى كأنّهما غيرانِ وحزبانِ، وكلُّ فرقةٍ منهما لا تأنَسُ بالأخرى ولا تُعاشِرها إلّا على إغماضٍ ونوعِ استكراهٍ.

وهذا من تقصير الفريقين، حيث ضعُفَ أحدهما عن السّير في العلم،

  1. (١) في «المنازل» و«شرح التلمساني»: «غيرة». وسيشرحها المؤلف على الوجهين.
  2. (٢) «كلامه» ليست في ش، د.
  3. (٣) ت، ر: «الثلاثة».
554

وضعُفَ الآخرون١ عن الحال في العلم، فلم يتمكّن كلٌّ منهما من الجمع بين الحال والعلم. فأخذ هؤلاء العلمَ وسعتَه ونورَه ورجّحوه، وأخذ هؤلاء الحالَ وسلطانه وتمكينه ورجّحوه. وصار الصّادق الضّعيف من الفريقين يسير بأحدهما ملتفتًا إلى الآخر.

فهذا مطيعٌ للحال٢، وهذا مطيعٌ للعلم. لكنّ المطيع للحال متى عصى به العلم كان منقطعًا محجوبًا٣، وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون. والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيِّعًا منقوصًا، مشتغلًا بالوسيلة عن الغاية.

وصاحب التّمكين يتصرَّفُ علمُه في حاله، ويحكم عليه، فينقاد لحكمه. ويتصرّف حالُه في علمه، فلا يدَعُه أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية العلم، فيجيبُه ويلبِّي دعوته. فهذه حالُ الكُمَّل من هذه الأمّة، ومن استقرأ أحوال الصّحابة وجدها كذلك.

فلمّا فرّق٤ المتأخِّرون بين الحال والعلم دخل عليهم النّقصُ والخلل، والله المستعان. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فكذلك يَهَبُ لمن يشاء علمًا، ولمن يشاء حالًا، ويجمع بينهما لمن يشاء٥،

  1. (١) ر: «الآخر».
  2. (٢) ر: «إلى الحال».
  3. (٣) ت: «محجورًا».
  4. (٤) د: «فرع».
  5. (٥) ش: «شاء».
555

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي