وضعُفَ الآخرون١ عن الحال في العلم، فلم يتمكّن كلٌّ منهما من الجمع بين الحال والعلم. فأخذ هؤلاء العلمَ وسعتَه ونورَه ورجّحوه، وأخذ هؤلاء الحالَ وسلطانه وتمكينه ورجّحوه. وصار الصّادق الضّعيف من الفريقين يسير بأحدهما ملتفتًا إلى الآخر.
فهذا مطيعٌ للحال٢، وهذا مطيعٌ للعلم. لكنّ المطيع للحال متى عصى به العلم كان منقطعًا محجوبًا٣، وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون. والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيِّعًا منقوصًا، مشتغلًا بالوسيلة عن الغاية.
وصاحب التّمكين يتصرَّفُ علمُه في حاله، ويحكم عليه، فينقاد لحكمه. ويتصرّف حالُه في علمه، فلا يدَعُه أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية العلم، فيجيبُه ويلبِّي دعوته. فهذه حالُ الكُمَّل من هذه الأمّة، ومن استقرأ أحوال الصّحابة وجدها كذلك.
فلمّا فرّق٤ المتأخِّرون بين الحال والعلم دخل عليهم النّقصُ والخلل، والله المستعان. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾[الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فكذلك يَهَبُ لمن يشاء علمًا، ولمن يشاء حالًا، ويجمع بينهما لمن يشاء٥،
(١) ر: «الآخر».
(٢) ر: «إلى الحال».
(٣) ت: «محجورًا».
(٤) د: «فرع».
(٥) ش: «شاء».
ويُخلي من يشاء منهما.
قوله: (فالعلم يَشْغَله في حينٍ)، أي يشغله عن السُّلوك إلى تمكُّن الحال أنّ١ العلم متنوِّع التّعلُّقات، فهو يُفرِّق، والحال يجمع. فإنه يدعوه إلى الفناء، وهناك سلطان الحال.
قوله: (والحال يحمله في حينٍ)، أي يغلب عليه الحال تارةً، فيصير محمولًا بقوّة الحال، وسلطانه على السُّلوك، فيشتدُّ٢ سيرُه بحكم الحال، يعني: وإذا غلبه العلمُ شغَلَه عن السُّلوك. وهذا على٣ المعهود من طريقة المتأخِّرين أنّ العلم يَشْغَل عن السُّلوك، ولهذا يعدُّون السّالك من سلك على الحال ملتفتًا إلى العلم.
وأمّا على ما قرّرناه ــ من أنّ العلم يُعِين على٤ السُّلوك ويَحمِل عليه، ويكون صاحبه سالكًا به وفيه٥ ــ فلا يَشْغَله العلم عن سلوكه، وإن أضعفَ سيْرَه على دربِ الفناء. فلا ريبَ أنّ العلم لا يُجامع الفناء، فالفناء ليس هو غاية السّالكين إلى الله، بل ولا هو لازمٌ من لوازم الطّريق٦، وإن كان عارضًا من عوارضها، يَعرِض لغير الكُمَّل، كما تقدّم تقرير ذلك، فبيّنّا أنّ الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة: الفناء عن محبّة ما سوى الله وإرادته،