قوله: (فالعلم يَشْغَله في حينٍ)، أي يشغله عن السُّلوك إلى تمكُّن الحال أنّ١ العلم متنوِّع التّعلُّقات، فهو يُفرِّق، والحال يجمع. فإنه يدعوه إلى الفناء، وهناك سلطان الحال.
قوله: (والحال يحمله في حينٍ)، أي يغلب عليه الحال تارةً، فيصير محمولًا بقوّة الحال، وسلطانه على السُّلوك، فيشتدُّ٢ سيرُه بحكم الحال، يعني: وإذا غلبه العلمُ شغَلَه عن السُّلوك. وهذا على٣ المعهود من طريقة المتأخِّرين أنّ العلم يَشْغَل عن السُّلوك، ولهذا يعدُّون السّالك من سلك على الحال ملتفتًا إلى العلم.
وأمّا على ما قرّرناه ــ من أنّ العلم يُعِين على٤ السُّلوك ويَحمِل عليه، ويكون صاحبه سالكًا به وفيه٥ ــ فلا يَشْغَله العلم عن سلوكه، وإن أضعفَ سيْرَه على دربِ الفناء. فلا ريبَ أنّ العلم لا يُجامع الفناء، فالفناء ليس هو غاية السّالكين إلى الله، بل ولا هو لازمٌ من لوازم الطّريق٦، وإن كان عارضًا من عوارضها، يَعرِض لغير الكُمَّل، كما تقدّم تقرير ذلك، فبيّنّا أنّ الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة: الفناء عن محبّة ما سوى الله وإرادته،
(١) ر، ت: «لأن».
(٢) ر: «فيشتمل».
(٣) ر: «وهذا هو».
(٤) ت: «يغني عن».
(٥) ت: «وقته».
(٦) د: «الطرق».
فيفنى بمحبّة الله عن محبّة ما سواه، وبإرادته ورجائه والخوفِ منه والتّوكُّلِ عليه والإنابة إليه عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه.
وهذا الفناء لا ينافي العلم بحالٍ بل ولا يَشْغَل عنه العلم، ولا يحول بين العبد وبينه، بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه. وهذا أمرٌ غفَلَ عنه أكثر المتأخِّرين، بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه، ولكن لم يُخْلِ الله الأرضَ من قائمٍ به داعٍ إليه.
قوله: (فبلاؤه بينهما)، أي عذابه وألمه بين داعي الحال وداعي العلم، فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم، ووارِدُه يحمله على إجابة داعي الحال، فيصير كالغريم بين المطالبينِ١. كلٌّ منهما يطالبه بحقِّه، وليس بيده إلّا ما يقضي أحدهما.
وقد عرفتَ أنّ هذا من الضِّيق٢، وإلّا فمع السّعة يُوفِّي كلًّا منهما حقَّه.
قوله: (يُذِيقه شهودًا طورًا)، أي ذلك البلاء الحاصل بين الدّاعيينِ يُذِيقه شهودًا طورًا، وهو الطّور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم.
قوله: (ويكسوه عبرةً طورًا)، الظّاهر: أنّه عِبْرةٌ بالباء الموحّدة، أي اعتبارًا بأفعاله واستدلالًا عليه بها، وأنّه٣ سبحانه دلَّ على نفسه بأفعاله. فالعلم يكسو صاحبَه اعتباره واستدلاله٤ على الرّبِّ بأفعاله.